مصر

أزمة الشرق الأوسط وإعادة صياغة خارطة الطاقة الأوروبية: العودة للمسار النووي

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي

أحدث اندلاع النزاع العسكري في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، هزة عنيفة في أركان أسواق الطاقة العالمية. وقد وضعت هذه الحرب القارة الأوروبية أمام واقع جيوسياسي معقد، أجبرها على مراجعة استراتيجياتها القديمة وإعادة إحياء النقاشات حول الطاقة النووية كركيزة أساسية لضمان أمنها القومي، وتقليل التبعية المفرطة للموارد المستوردة التي باتت رهينة للاضطرابات الدولية.

ووفقاً لما أوردته صحيفة “أوكونوميستا” الإسبانية، فإن العمليات العسكرية المتصاعدة في منطقة الخليج، وما صاحبها من تهديدات بالإغلاق الجزئي لـ مضيق هرمز — الشريان الحيوي الذي يتدفق عبره نحو 20% من النفط العالمي — قد أدت إلى قفزات سعرية تجاوزت حاجز الـ 100 دولار للبرميل. هذه التقلبات الحادة دفعت المسؤولين الأوروبيين للاعتراف بمدى هشاشة موقفهم الطاقي، مما أعاد الزخم لفكرة تشغيل المفاعلات القائمة أو بناء محطات جديدة لتوفير بديل مستقر عن الوقود الأحفوري الذي تتقاذفه أمواج الأزمات.

وفي تحول استراتيجي لافت، وصفت مصادر رسمية في الاتحاد الأوروبي التوجهات السابقة بالتخلي عن الطاقة النووية بأنها كانت “خطأً استراتيجياً” لم يصمد أمام الصدمات الحالية. واستجابةً لهذا الواقع، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن تخصيص تمويل إضافي قدره 200 مليون يورو لتطوير المفاعلات النووية الصغيرة (SMRs)، بهدف تعزيز مرونة الشبكة الأوروبية. ويرى المحللون أن العودة للخيار النووي لم تعد مجرد تفضيل بيئي، بل تحولت إلى ضرورة أمنية قصوى لتوفير مصدر طاقة مستقر وقليل الانبعاثات، خاصة مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG) القادمة من الخليج.

على الصعيد الاقتصادي، لا تتوقف تداعيات الحرب عند حدود أسعار الطاقة فحسب، بل تمتد لتضغط على معدلات النمو الكلي في أوروبا. فبحسب تقارير بنوك التنمية، فإن الارتفاع المستمر في تكاليف الطاقة والمواد الخام يهدد بتباطؤ الاستثمارات ويضع صناع القرار تحت ضغوط مزدوجة. ورغم التحديات التي تواجه الصناعة النووية، مثل التكاليف الرأسمالية الضخمة وإدارة النفايات المشعة، يرى القادة الأوروبيون أن المزيج الطاقي الذي يجمع بين النووي والطاقات المتجددة هو السبيل الأكثر واقعية لمواجهة التقلبات طويلة الأمد.

وفي خضم هذه الأزمة، تبرز فرصة لتسريع التحول نحو الطاقات المتجددة كالشمس والرياح؛ إذ يشير رئيس الوكالة الدولية للطاقة إلى أن ضغوط أسعار النفط قد تكون المحفز الأكبر لابتكار تقنيات تخزين الطاقة وتحقيق الاستقلال الطاقي. إن الاتحاد الأوروبي اليوم أمام تحدٍ تاريخي يتمثل في الموازنة بين تأمين الإمدادات العاجلة وبين الالتزام بالطموحات المناخية لعام 2050، مما يجعل إعادة هيكلة السياسات الطاقية ضرورة حتمية لضمان الأمن الاقتصادي والاجتماعي بعيداً عن تقلبات المحاور الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى