هناء حافظ تكتب : “أمي بعد أمي.. قصة مصرية قالت للإمارات: لا تشيلين هم”
من جنازة الشيخ زايد إلى حادث دبي.. كيف أصبحت الإمارات أمي بعد أمي.
كانت سيارتي تحترق فجأة في شارع الخور بدبي، والدخان يملأ المكان، وقلبي يخفق بشدة خوفا على نفسي.
اتصلت بالشرطة وأنا أبكي، ثم جاء صوت هادئ يطمئنني: “كلنا هنا أهلك… لا تشيلين هم”.
أول لقاء مع الإمارات: حلم الطفولة
هناك أوطان نولد فيها، وأوطان أخرى لا نولد على أرضها، لكنها تولد في داخلنا مع مرور الأيام.
الحياة أحيانا تمنح الإنسان تجارب غير متوقعة، تجعله يكتشف أن القلب قادر على أن يتسع لحب آخر دون أن ينتقص ذلك من حبه الأول.
حكايتي مع الإمارات لم تبدأ يوم وصلت إليها، بل بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، وأنا ما زلت في مصر.
كنت صغيرة حين أعلن خبر وفاة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله.
يومها لفت نظري مشهد لم أنسه حتى اليوم. كان الحزن واضحا في وجوه كثير من المصريين، ومن بينهم أبي الذي تأثر كثيرا برحيله. لم يكن الأمر مجرد خبر عابر، فقد أعلنت مصر الحداد ونكست الأعلام ثلاثة أيام.
بالنسبة لي كان هذا المشهد سؤالا كبيرا: من هو هذا الرجل الذي يبكيه المصريون وكأنه واحد منهم؟
بدأت أبحث عن سيرته، وقرأت عن مواقفه مع مصر، وعن دعمه في أوقات الشدة، وعن دولة بناها على فكرة إنسانية عميقة: أن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن.زايد الخير وأثره في الإمارات
كلما قرأت أكثر، شعرت أنني أتعرف على شخصية استثنائية. وقتها بكيت على رجل لم أقابله يوما ولم تقع عليه عيناي. وتمنيت ان ارى الوطن الذي بناه وأكون يوما من رعايا هذا الوطن.
لم أكن أعلم أن الله قد يستجيب لأمنية خرجت من قلب صادق دون أن يدرك صاحبها ذلك.
مصر .. الإمارات القلب النابض
مرت السنوات، وجاء عام 2010، وكانت مصر تمر بظروف صعبة وأحداث متلاحقة. كنت أخاف على بلدي كثيرا، وكنت أقولها دائما من قلبي: فداك دمي يا مصر.
لكن الأقدار كانت تكتب لي طريقا آخر.
غادرت مصر، البلد الذي أحب، وجئت إلى الإمارات. أتذكر جيدا أول يوم وطأت فيه قدمي هذه الأرض الطيبة .
وقتها دعوت الله أن يعوضني خيرا، وأن يكتب لي الطمأنينة في هذا الوطن .
ومع مرور الأيام بدأت أكتشف أن الإمارات ليست مجرد بلد عمل أو إقامة. كان هناك شيء مختلف في هذا المكان. شعور بالأمان، احترام للإنسان، ونبض حياة يجعل الغريب يشعر أنه ليس غريبا .
مرت السنوات، وتحولت الإقامة إلى حياة كاملة. خمسة عشر عاما وأنا أعيش هنا، ولم أشعر يوما أنني خرجت من مصر. ربما لأن الإمارات لم تطلب مني أن أنسى وطني، بل احتضنتني كما أنا.
ومع الوقت أدركت أن بعض الأوطان لا تحاول أن تأخذ مكان الوطن الأول، لكنها تمنحك شعورا يشبه الأمومة.
ولهذا أصبحت أقولها دائما: الإمارات أمي بعد أمي.
تجربة الحريق: لحظة أثبتت معنى الوطن
كنت أقود سيارتي في شارع الخور في دبي، وفجأة اشتعلت السيارة. توقفت سريعا ونزلت منها أركض بعيدا، بينما كان الدخان يتصاعد بكثافة حولها. لحظات قليلة تحولت إلى حالة من الرعب الحقيقي، خاصة مع ازدحام الطريق وخوفي من الاقتراب.
اتصلت بالشرطة وأنا أبكي وفي حالة انهيار.
لكن الرد الذي سمعته كان هادئا بطريقة أدهشتني. قال لي الضابط:
“هوني عليك أختي… كل شيء سيكون بخير.”
سألني إن كان معي أطفال في السيارة، ثم طلب مني الابتعاد وعدم القلق. لم تمر خمس دقائق حتى وصلت أربع سيارات للدفاع المدني وسيارتان للشرطة.الدفاع المدني الإماراتي – الموقع الرسمي
كان التواصل معي مستمرا كل لحظة. يطمئنونني، ويتابعون الموقف، ويتأكدون أنني بخير قبل أي شيء آخر.
أطفأوا الحريق، وتركوا السيارة حتى تهدأ، ثم تولوا الإجراءات كاملة. بل إنهم أحضروا سيارة لنقل سيارتي إلى التصليح، واستدعوا لي سيارة أجرة لأعود إلى منزلي.
لم أدفع شيئا، ولم يتركوني حتى تأكدوا أنني عدت إلى منزلي بأمان.
وقبل أن يغادروا قال أحدهم جملة لن أنساها ما حييت: “كلنا هنا أهلك… لا تشيلين هم.”
في تلك اللحظة فهمت معنى أن يشعر الإنسان بالأمان في بلد لم يولد فيه، لكنه يعامله كأنه واحد من أبنائه.
خمسة عشر عاما عشتها على هذه الأرض الطيبة، ولم أشعر يوما بالغربة أو الخوف. ومع كل يوم يمر يزداد يقيني أن الدول العظيمة لا تقاس فقط بما تبنيه من مدن، بل بما تمنحه من كرامة وإنسانية لكل من يعيش على أرضها.
مصر القلب الذي ولدت فيه، والإمارات الحضن الذي احتواني حين احتجت الأمان هي أمي بعد أمي.
وإن كانت الإمارات قد قالت يوما لكل من يعيش على أرضها: “لا تشيل هم”، فاليوم نقولها نحن من القلب: لا تشيلين هم يا إمارات… فأنت الوطن الغالي، وكلنا أبناؤك وأرواحنا فداك.
بقلم : هناء حافظ – صحفية مهتمة بالشؤون العربية والإنسانية




