الدكتور عادل عامر يكتب الأسرى الفلسطينيون بين مطرقة السجن وسندان التشريعات الجائرة
يواجه الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية واقعاً مأساوياً يجمع بين قسوة الظروف الاعتقالية (“مطرقة السجن”) والتشريعات والقوانين الإسرائيلية التي تستهدف حقوقهم (“سندان التشريعات”). هذا الوضع يُشكل سياسة منظمة لانتزاع كرامتهم وحقوقهم الأساسية كأسرى حرب أو معتقلين سياسيين، وفقاً للمواثيق الدولية. في ظروفٍ غير إنسانيّة، يقبع آلاف الأسرى الفلسطينيّون داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية التي تعتبرهم “سجناء أمنيين”، وهو الباب الذي تستخدمه إسرائيل للتمييز المماس والممنهج ضدّهم، انتهاك يغيّر منظومة السجن برمّتها؛
بدءًا من المعتقلات، المحاكم وانتهاءً بالسجون. فإدارة مصلحة السجون تقلّص حقوق السجناء الأمنيين في السجون وتصعّب الظروف المقيّدة التي يخضعون لها (بواسطة حرمانهم من الإجازات والمكالمات الهاتفية والزيارات العائلية وغير ذلك) كشكل من أشكال العقاب الجماعي ضد عموم السجناء الفلسطينيين وكوسيلة ضغط على المجتمع الفلسطيني كلّه، كما أن الإجراءات القضائية التي تستخدَم ضدّهم مصابة بنواقص خطيرة.
إن أهم حق حصلت عليه فلسطين عقب الانضمام إلى نظام روما هو إمكانية إحالة الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة إلى مدعي عام المحكمة. وقد أصدر الرئيس مرسوماً بتشكيل “اللجنة الوطنية العليا”؛ لمتابعة العلاقة مع المحكمة الجنائية الدولية؛ والمشكلة من شخصيات قانونية حكومية وأهلية.
ومن هنا يتوجب على دولة فلسطين متابعة الحقوق المكتسبة نتيجة إيداع الإعلان لدى مسجل محكمة الجنايات الدولية؛ والذي قبلت بموجبه اختصاص المحكمة على الجرائم التي تم ارتكابها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، منذ 13 حزيران 2014م، وعلى الانضمام إلى نظام روما الذي من المفترض أن يدخل حيز التنفيذ في 1 نيسان /2015م.
ومع أن اللجنة الوطنية العليا وضعت أولويات وطنية للتوجه إلى محكمة الجنايات بقضيتي الاستيطان والعدوان على قطاع غزة؛ فان قضية الأسرى الفلسطينيين والعرب القابعين في سجون الاحتلال تحتل أيضًا أهمية كبيرة وقصوى؛ ومن الضروري إدراجها ضمن الملفات التي يجب التوجه بها إلى المحكمة.
إن الأسباب التي تجعل من قضية الأسرى ذات أولوية أمام محكمة الجنايات الدولية:
1- محاولات حكومة الاحتلال الإسرائيلي تجريد الأسرى من صفتهم القانونية والشرعية كـ”مقاتلي حرية” و”أسرى حركة تحرر وطني” ناضلوا بشكل مشروع، وفق كافة القوانين والشرائع والقرارات الدولية؛ والتعاطي معهم كمجرمين وإرهابيين، سواء في محاكمها العسكرية، أو من خلال ممارستها داخل السجون.
2- التشريعات العنصرية الخطيرة، التي دأبت حكومة إسرائيل على سنها في الكنيست الإسرائيلي، والتي تنتهك حقوق الأسرى، والمخالفة للقانون الدولي واتفاقيات جنيف.
3- عدم التزام إسرائيل واعترافها بانطباق اتفاقيات جنيف على المعتقلين، سواء العسكريين (بموجب الاتفاقية الثالثة)؛ أو المدنيين (بموجب الاتفاقية الرابعة).
4- سياسة القضاء العسكري في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، وإصدار أحكام تفرض على الأسرى دفع تعويضات لصالح الجنود والمستوطنين؛ وتضع مقاومة الشعب الفلسطيني في إطار الجريمة؛ ما يعني محاكمة سياسية على كل من يفكر بالنضال ضد الاحتلال؛ وبالتالي رفع الغطاء عن النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال.
5- المخالفات الجسيمة المتصاعدة التي تنتهك حقوق الأسرى، وكرامتهم الإنسانية؛ والتي تنتهك والأعراف والمواثيق الدولية، كالتعذيب، واعتقال الأطفال، والاعتقال الإداري، والاعتداء على الأسرى في السجون، والحرمان من الزيارات، والعزل الانفرادي، والإهمال الطبي، وغيرها…
6- عدم احتواء التشريعات الإسرائيلية على أية قوانين تدين ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية؛ وهذا ما نلاحظه من خلال رد أغلب الشكاوي المرفوعة إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية حول ممارسات التعذيب أو القتل أو الانتهاكات التي ترتكب بحق الأسرى.
وقد ارتقى في سجون الاحتلال 207 شهداء، سواء بالتعذيب، أو القتل المباشر المتعمد، أو الإهمال الطبي؛ ولم يقدم أي مسؤول إسرائيلي للمحاكمة أو المسائلة؛ كون التشريعات الإسرائيلية تعطي حصانة للمحققين والمسؤولين الإسرائيليين!
واستخدمت إسرائيل الأسرى دروعاً بشرية، واعتقلت قاصرين بشكل يخالف اتفاقية حقوق الطفل الدولية، وطبقت الاعتقال الإداري بشكل روتيني ومستمر، واستخدمت القوة والأسلحة المحرمة في قمع الأسرى داخل السجون؛ إضافة إلى حرمان الأسرى من حقوقهم الأساسية، كالحق في الزيارة، ولقاء المحامي، والتعليم؛ إضافة إلى نقل الأسرى إلى سجون داخل إسرائيل (الدولة المحتلة)؛ بما يخالف اتفاقية جنيف الرابعة.
إن التوجه بقضية الأسرى إلى محكمة الجنايات الدولية يعني التحرر من استمرار الخضوع لمنظومة القوانين والأوامر العسكرية الإسرائيلية الظالمة التي تعمل بموجبها محاكم الاحتلال؛ كما يعد إنصافًا لحق الضحايا الذين سقطوا واعتدي عليهم بشكل تعسفي خلال مرحلة الأسر؛ ويؤدي إلى ردع دولة الاحتلال ومسؤوليها ومحققيها عن استمرار التعامل مع الأسرى وكأنهم ليسوا من بني البشر؛ إذ يصبحون في مرمى المسائلة الدولية عن أفعالهم وممارساتهم بحق الأسرى، لا سيما أن عدد الأسرى في تزايد مستمر، وأن إجراءات القمع الإسرائيلية أيضًا في تصاعد مستمر، في ظل موجة يمينية متطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية، تضع الأسرى هدفاً سياسياً للانتقام منهم.
بدأ التعذيب في السجون الإسرائيلية مع بدايات الاحتلال وتطور بالتدريج، وتنوعت أساليبه وأشكاله الجسدية والنفسية، ومُورس بغطاء علني من المستويَين السياسي والقضائي، وأفاد الأسرى الفلسطينيون أن إدارة السجون الإسرائيلية استحدثت، خلال العقود الثلاثة التي سبقت حرب الإبادة على قطاع غزة، إلى جانب أصناف التعذيب المتعارَف عليها، أساليب جديدة ومجموعة من الإجراءات التي أدت إلى ترسيخ الجريمة في تفاصيل الحياة اليومية للأسرى، سواء في أثناء التحقيق، أو بعده، فبات التعذيب أكثر ضرراً وإيذاءً للصحة النفسية والجسدية، وأصبح هناك جزء من التعذيب مخفياً، كما يقول الأسير الشهيد وليد دقة في كتابه “صهر الوعي”: “أصبح القمع والتعذيب في سجون الاحتلال مركباً وحدثوياً يتماشى مع خطاب حقوق الإنسان، مخفياً ومتوارياً يسهل على سلطات الاحتلال تعتيمه وتضليله، إنه قمع لا صورة له ولا يمكن تحديده بمشهد، إنه مجموعة من الإجراءات الصغيرة والمنفردة وآلاف التفاصيل التي لا يمكن أن تدل منفردة على أنها أدوات للتعذيب”.
هنا لا بد من الإشارة إلى أن إسرائيل كانت قد انضمت إلى الاتفاقية سنة 1991، وتعهدت باحترامها، لكنها لم تكتفِ بعدم التزام أيٍ من بنودها في تعاملها مع المعتقَلين الفلسطينيين فحسب، بل أيضاً أقرت مجموعة من القوانين والقرارات القضائية التي شرّعت التعذيب، ووفرت للمحققين حججاً دفاعية كافية للاستمرار في تعذيبهم المعتقَلين، الأمر الذي يوجب على الأمم المتحدة:
أولاً: التخلي عن ازدواجية المعايير.
ثانياً: اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لدفع دولة الاحتلال نحو التزام كل الاتفاقيات الدولية في تعامُلِهَا مع الأسرى والمعتقَلين الفلسطينيين، وبينها اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
ثالثاً: اتخاذ إجراءات صارمة لملاحقة مرتكبي التعذيب ومحاسبتهم، بمَن فيهم المسؤولون عن إصدار الأوامر، خاصة وأن غياب العدالة الدولية أدى إلى تعزيز ثقافة إفلات الإسرائيليين من العقاب بما عزز جرائم التعذيب بحق الفلسطينيين.
هذا بينما ينبغي على الدول الأعضاء وجميع المؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني تحمُّل مسؤولياتها القانونية والإنسانية والأخلاقية في مساندة ضحايا التعذيب بفعل الاعتقالات الإسرائيلية اليومية التي تلحق الأذى والضرر بالفرد والأسرة والمجتمع الفلسطيني بأسره.
وهنا، يحضرني قول الشاعر والكاتب الدنماركي هلفدان راسموسن في قصيدة له: “ليس التعذيب ما يخيفني ولا السقوط النهائي للجسد، ولا فوهة بندقية الموت، أو الظلال على الجدار ولا الليل عندما تندفع نحو الأرض آخر نجمات الألم الشاحبة، إنما تخيفني اللامبالاة العمياء للعالم العديم الرحمة الفاقد الشعور”.
وبناء عليه فإنه من الأهمية بمكان وضع خطة وطنية لإدارة قضية الأسرى، وتوثيق المؤسسات المعنية المختلفة المعلومات بدقة؛ للاستعداد لرفع قضايا تتناول جرائم الحرب أو المخالفات الجسيمة إلى محكمة الجنايات الدولية؛ والانتقال من مرحلة العاطفة والشعار، إلى مرحلة المواجهة القانونية الملموسة والجدية؛ لحماية الأسرى وحقوقهم، وعدم إبقاء المجرمين الإسرائيليين طلقاء، وحتى لا تظل دولة إسرائيل دولة فوق القانون، تستبيح حقوق الأسرى وتستهتر بالثقافة والعدالة الإنسانية .
—
الدكتور عادل عامر
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا




