المهندس توفيق عامر يكتب : الصناعات الهندسية المغذية… العمود الفقري للصناعة الوطنية
✍️
في خضم الحديث المتزايد عن توطين الصناعة وتعزيز الإنتاج المحلي، تبرز الصناعات الهندسية المغذية كأحد أهم الركائز التي لا غنى عنها لأي نهضة صناعية حقيقية. فهي ليست صناعات هامشية أو ثانوية كما قد يظن البعض، بل تمثل القلب النابض الذي يغذي الصناعات الكبرى ويمنحها الاستدامة والقدرة على المنافسة.
الصناعات الهندسية المغذية هي تلك التي تنتج المكونات والأجزاء والقطع الوسيطة التي تدخل في تصنيع منتجات نهائية مثل السيارات، الأجهزة الكهربائية، المعدات الثقيلة، خطوط الإنتاج، والصناعات الدفاعية والطبية. وبدونها، تتحول أي صناعة كبرى إلى مجرد عملية تجميع تعتمد على الاستيراد، ما يضعف الاقتصاد الوطني ويستنزف العملة الصعبة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في بناء قاعدة صناعية قوية، مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية والصين، بدأت أولًا بتوطين الصناعات المغذية، ودعمتها بالتكنولوجيا والتدريب والتمويل. فالقيمة المضافة الحقيقية لا تتحقق في المنتج النهائي فقط، بل في سلسلة التوريد الكاملة التي تبدأ من أصغر مسمار وتنتهي بأعقد منظومة تشغيل.
في الحالة المصرية، تمتلك الصناعات الهندسية المغذية فرصًا واعدة، خاصة مع توسع الدولة في مشروعات البنية التحتية، والصناعات الاستراتيجية، والتوجه نحو توطين صناعة السيارات والطاقة المتجددة. إلا أن هذه الصناعات لا تزال تواجه تحديات حقيقية، على رأسها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة الحصول على التمويل الميسر، ونقص العمالة الفنية المدربة، إلى جانب المنافسة الشرسة من المنتجات المستوردة.
من هنا، يصبح دعم الصناعات الهندسية المغذية ضرورة وطنية وليس خيارًا. ويتطلب ذلك سياسات واضحة تشمل حوافز ضريبية وجمركية، وتسهيل إجراءات التراخيص، وربط التعليم الفني باحتياجات المصانع، وتشجيع نقل التكنولوجيا، فضلًا عن إشراك هذه الصناعات بشكل فعلي في المشروعات القومية بدلًا من الاعتماد على المورد الأجنبي.
كما أن دور القطاع الخاص لا يقل أهمية عن دور الدولة، فالمطلوب هو الاستثمار في التطوير والابتكار، وتحسين الجودة، والالتزام بالمواصفات العالمية، حتى تصبح المنتجات المحلية قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
تشير التقديرات الصناعية إلى أن الصناعات الهندسية المغذية في مصر تمثل ما يقرب من 25–30% من إجمالي مدخلات الصناعات الهندسية، وعلى رأسها صناعات السيارات، الأجهزة الكهربائية، والمعدات الثقيلة. ويعمل بهذا القطاع مئات الآلاف من العمالة المباشرة وغير المباشرة، ما يجعله من أكثر القطاعات قدرة على خلق فرص العمل، خاصة للعمالة الفنية والمتوسطة.
ورغم هذه الأهمية، لا تزال نسبة المكوّن المحلي في بعض الصناعات الاستراتيجية، مثل السيارات، تتراوح بين 45% إلى 55% فقط، بينما تعتمد باقي المكونات على الاستيراد، وهو ما يكلّف الاقتصاد المصري مليارات الدولارات سنويًا في صورة فاتورة استيراد لقطع الغيار والمكونات الوسيطة.
وتُظهر بيانات التجارة الخارجية أن واردات مصر من المنتجات الهندسية ومستلزمات الإنتاج تتجاوز 20 مليار دولار سنويًا، جزء كبير منها يمكن توطينه محليًا حال دعم الصناعات المغذية وتطويرها تكنولوجيًا. كما أن كل زيادة بنسبة 10% في المكوّن المحلي تعني تقليل الضغط على العملة الأجنبية وتعزيز الميزان التجاري الصناعي.
أما التحديات، فتتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة والخامات، وصعوبة النفاذ إلى التمويل طويل الأجل، وغياب سلاسل توريد منظمة تربط المصانع الصغيرة بالمصانع الكبرى، إلى جانب ضعف الإنفاق على البحث والتطوير مقارنة بالمعايير العالمية. ويضاف إلى ذلك التحدي المزمن المتمثل في نقص العمالة الفنية المؤهلة، رغم وجود عدد كبير من المدارس والمعاهد الفنية التي تحتاج إلى تحديث مناهجها وربطها مباشرة باحتياجات السوق.
ومع اتجاه الدولة المصرية إلى توطين صناعة السيارات الكهربائية، ومشروعات الهيدروجين الأخضر، والتوسع في الصناعات العسكرية والطبية، تصبح الصناعات الهندسية المغذية أمام فرصة تاريخية للتحول من قطاع داعم إلى قاطرة نمو صناعي حقيقية، شريطة توافر إرادة واضحة للتكامل بين السياسات الحكومية واستثمارات القطاع الخاص.
في النهاية، يمكن القول إن الصناعات الهندسية المغذية هي الميزان الحقيقي لمدى جدية أي دولة في تحقيق الاكتفاء الصناعي. فبدون قاعدة قوية لهذه الصناعات، ستظل التنمية الصناعية منقوصة، ومعها يظل الحلم بالتصدير والنمو المستدام مؤجلًا. أما دعمها اليوم، فهو استثمار مباشر في مستقبل الصناعة والاقتصاد الوطني ككل.




