انطلاق ماراثون دراما رمضان: “مناعة” يحيي أساطير “الباطنية” ونساء إمبراطورية الكيف

كتبت:إيمان خالد خفاجي
مع انطلاق ماراثون دراما رمضان، برز مسلسل “مناعة” كعمل يغوص في دهاليز العوالم السفلية، ليعيد اسم منطقة “الباطنية” للتردد بقوة في أذهان المشاهدين. لم تكن هذه المنطقة مجرد حيز جغرافي في قلب القاهرة التاريخية، بل كانت إمبراطورية حكمتها النساء لسنوات طويلة بالحديد والنار، وبالذكاء الفطري في إدارة تجارة “السموم”. هذا التاريخ لم يكتبه الرجال وحدهم، بل كانت “الست” هي العمود الفقري لممالك الكيف؛ فبينما كانت أجهزة الأمن تلاحق أباطرة الصنف، كانت هناك “معلمات” يدرن التجارة من خلف المشربيات وداخل البيوت القديمة التي تشبه المتاهات، فارضاتٍ سطوتهن بجيوش من “الناظورجية” والموزعين.
وتجسد الفنانة هند صبري في مسلسل “مناعة” هذا الإرث الشعبي المعقد، حيث تدور الأحداث في حقبتي السبعينيات والثمانينيات، مستعرضةً تحول بطلة العمل من زوجة مغلوبة على أمرها قُتل زوجها في تجارة الممنوعات، إلى سيدة قوية تواجه الصعاب لحماية أسرتها. العمل يغوص في صراعات عالم المخدرات ليس فقط من منظور إجرامي، بل من خلال استعراض مفهوم “المناعة النفسية” في مواجهة القسوة والظروف الاجتماعية الطاحنة، وهو ما يمنح القصة أبعاداً إنسانية تتجاوز القالب التقليدي للدراما الشعبية.
لقد استلهمت الدراما مادتها الخام من واقع تاجرات الباطنية اللاتي امتلكن ذكاءً حاداً في التخفي؛ فمنهن من خبأت “الصنف” في ألعاب الأطفال، ومنهن من أدارت عملياتها عبر شبكة معقدة من النسوة لضمان التواري عن الأنظار. لم تكن الباطنية مجرد سوق، بل كانت “دولة داخل الدولة” تحكمها قوانين وضعتها نساء بملابس سوداء وأيدٍ يكسوها الذهب، يدبرن صفقات بملايين الجنيهات في زمن كان فيه الجنيه يزن ذهباً، مما حولهن إلى “أساطير سوداء” انتهت خلف القضبان أو تحت التراب، تاركةً خلفها قصصاً تملأ دفاتر النيابة وأشرطة السينما.
واليوم، يأتي نجاح مسلسل “مناعة” ليعيد التذكير بأن تلك الإمبراطوريات التي بنيت على أنقاض الشباب قد تهاوت أمام يد العدالة، ولم يتبقَ منها سوى حكايات تروى لتكون عبرة. المسلسل من تأليف عمرو الدالي وإخراج حسين المنباوي، ويضم نخبة من النجوم بجانب هند صبري، منهم رياض الخولي، أحمد خالد صالح، خالد سليم، ومها نصار، بإنتاج ضخم من “المتحدة استديوز”، ليقدم رؤية معاصرة لتاريخ اجتماعي وإجرامي حافل بالصراعات.




