بين الحدود والسياسات: لماذا تستمر موجات الهجرة؟
تعد موجات الهجرة من مناطق النزاع مثل سوريا والسودان وعدد من دول القارة الإفريقية من أبرز الظواهر السياسية والإنسانية في العصر الحديث. لم تعد الهجرة خيارًا ترفيهيًا أو قرارًا اقتصاديًا، بل تحولت في كثير من الحالات إلى خيار بقاء.
ما الذي يدفع الإنسان إلى ترك وطنه والمخاطرة بحياته؟ الإجابة ليست واحدة، بل تتداخل فيها عوامل متعددة، في مقدمتها انعدام الأمن، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وغياب الأفق المستقبلي، إلى جانب ضعف الفرص والحريات … إلخ
ما يجعل الاستمرار داخل الوطن في بعض الحالات أشبه باستحالة معيشية ، عندما تغلق الأبواب، تظهر طرق الخطر.
الهجرة عبر البحر، رغم ما تحمله من مخاطر، تعكس حجم اليأس الذي يصل إليه الإنسان حين يشعر بأن البقاء يعني التدهور المستمر. ومن خلال ما يُشاهد وما يُنقل من تجارب تتكرر الصورة نفسها: رحلات خطرة، خسائر في الأرواح، وبدايات جديدة محفوفة بالمجهول. الهجرة هنا لا تأتي كرفاهية، بل كحل أخير، وهو ما يجعلني أكتب عنها من موقع من خاض التجربة، بعد أن أصبحت يومًا جزءًا منها لا مجرد شاهد عليها.
ما يدفع البعض إلى هذا الخيار القاسي هو الشعور بانسداد الأفق وغياب الحلول الواقعية، إلى جانب استغلال شبكات التهريب للوضع الإنساني، وبيع وعود الهروب مقابل مخاطر قد تنتهي بالموت.
على صعيد السياسات، تتعامل دول مثل ألمانيا وفرنسا مع ملف اللجوء بمنطق صارم يقوم على تشديد الشروط، وتعزيز الرقابة على الحدود، والتنسيق مع دول العبور للحد من تدفقات المهاجرين، إضافة إلى سياسات الترحيل لمن لا تنطبق عليهم معايير البقاء … إلخ
وفي المقابل، يواجه المهاجر في رحلته سلسلة من المخاطر القاسية، خصوصًا عبر الطرق البحرية، حيث تتحول الرحلة إلى اختبار حقيقي بين الحياة والموت، وسط قوارب غير آمنة وغياب واضح لوسائل الحماية الكافية في كثير من الحالات.
وبين سياسات الإغلاق وواقع الخطر، يجد الإنسان نفسه أمام خيار لا يحتمل: إما البقاء في واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم، أو الإقدام على رحلة يعلم مسبقًا أنها قد تكون الأخيرة.
ورغم وضوح هذه المخاطر في ذهن كل من يفكر بالهجرة، إلا أن القرار يُتخذ على أي حال لأن السؤال لم يعد: هل الطريق آمن؟ بل أصبح: هل البقاء آمن أصلًا؟
هنا تتحول الهجرة من “خيار” إلى هروب اضطراري، ومن قرار محسوب إلى قفزة في المجهول، يدفع ثمنها الإنسان وحده… في جسده، وفي ذاكرته، وفي كل ما تركه خلفه.
وعلى مستوى أعمق، يبرز سؤال الهوية والمصير المشترك في العالم العربي. لدينا ما يجمعنا : اللغة، الدين، والتاريخ ومع ذلك، لا يزال الواقع يشير إلى غياب مشروع عربي موحد قادر على تحويل هذا الرابط إلى قوة فعلية.
لماذا تبقى هذه الروابط حاضرة في الخطاب وغائبة في الفعل؟ ولماذا لا نكون قوة متماسكة تدافع عن مصالحها بدل أن تبقى مجزأة وضعيفة التأثير؟
إن استمرار التشتت وتغليب المصالح الضيقة لا يضعف الموقف الجماعي فحسب، بل يفتح الباب أمام المزيد من التدخلات والتجاذبات التي تُعيد تشكيل المنطقة وفق معايير الآخرين لا معاييرها.
في المحصلة، لا يمكن اختزال الهجرة في كونها انتقالًا جغرافيًا، بل هي نتيجة مباشرة لواقع معقد يتشابك فيه الأمن والاقتصاد والسياسة. وما لم تتغير هذه المعطيات من جذورها،
سيبقى السؤال قائمًا:
هل يهرب الإنسان من وطنه… أم من واقع لم يعد يحتمله؟




