تطورات متسارعة في شمال شرقي سوريا: تفاهمات دمشق و«قسد» تحت الاختبار
عبدالرحمن ابودوح
تشهد مناطق شمال شرقي سوريا مرحلة مفصلية، على وقع تصريحات سورية رسمية حادة تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتفاهمات سياسية وأمنية جديدة بين دمشق و«قسد»، وسط ترقب إقليمي ودولي، لا سيما من جانب تركيا والولايات المتحدة، لضمان استقرار المنطقة ومنع عودة الفوضى.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، إن قوات سوريا الديمقراطية أصبحت «أداة من الماضي» مع تغيّر المعطيات الميدانية، مشيرًا إلى أن المناطق التي كانت خاضعة لسيطرتها تُعد من «أكثر المناطق بؤسًا» في البلاد. وأوضح، في تصريحات لقناة الإخبارية السورية، أن المرحلة المقبلة ستكشف عن خلايا وعمليات إرهابية رعتها «قسد»، معتبرًا أنها استثمرت في ملف تنظيم داعش لتبرير وجودها.
وأشار البابا إلى أن ملف السجون شكّل أحد أبرز القضايا التي تفاوضت عليها الدولة السورية، لافتًا إلى أن «قسد» حاولت إطلاق سراح نحو 120 عنصرًا من تنظيم داعش من سجن الشدادي، قبل أن تتمكن السلطات من ضبط الوضع خلال ساعات قليلة. وأضاف أن انتفاضة العشائر العربية في الرقة ودير الزور ساهمت في تسريع عملية «التحرير»، مؤكدًا أن الحكومة السورية تبقى الشريك الأقدر على مواجهة تنظيم داعش وضمان الاستقرار.
مخاوف تركية وترقب إقليمي
في المقابل، تتابع أنقرة التطورات بحذر بالغ. وأكد عضو لجنة السياسات الأمنية والخارجية في الرئاسة التركية، النور شفيق، أن موقف بلاده من التفاهمات الأخيرة بين دمشق و«قسد» يبقى مرهونًا بمدى الالتزام بتطبيقها على الأرض. وقال في حديث لبرنامج «غرفة الأخبار» على «سكاي نيوز عربية»: «إذا اكتمل تنفيذ الاتفاق فلن تكون هناك مشكلة، لكن علينا أن ننتظر لنرى ما إذا كان وقف إطلاق النار والسلام سيستمران».
وأوضح شفيق أن المخاوف التركية تتركز حول محاولات «شراء الوقت»، خصوصًا في المناطق التي تنشط فيها تنظيمات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، معتبرًا أن جوهر الأزمة لا يتعلق بالمكوّن الكردي، بل بوجود تنظيمات تصنفها أنقرة إرهابية وتشكل عامل عدم استقرار.
واشنطن وتغيّر المقاربة
وأشار المسؤول التركي إلى ما وصفه بتغيّر في المقاربة الأميركية تجاه الملف السوري، مؤكدًا أن واشنطن باتت تدرك أن مستقبل سوريا يجب أن يُحدد من قبل السوريين أنفسهم، مع احترام حقوق الأقليات. وأضاف أن هناك تنسيقًا وثيقًا بين أنقرة وواشنطن داخل التحالف الدولي وخارجه، خاصة فيما يتعلق بملف دمج القوات المحلية وإنهاء نفوذ التنظيمات المسلحة غير المقبولة.
تفاهمات رسمية ووقف لإطلاق النار
وفي خضم هذه التطورات، أعلنت الرئاسة السورية، الثلاثاء، التوصل إلى تفاهم مشترك مع قوات سوريا الديمقراطية حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة. وذكرت الرئاسة، في بيان، أنه تم منح «قسد» مهلة أربعة أيام للتشاور ووضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عمليًا.
وبحسب البيان، لن تدخل القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي في حال تم الاتفاق، على أن تبقى على أطرافهما، مع مناقشة لاحقة للجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي للمحافظة. كما أكد الاتفاق عدم دخول القوات العسكرية السورية إلى القرى الكردية، والاكتفاء بقوات أمن محلية من أبناء المنطقة.
وأشار البيان إلى أن قائد «قسد» مظلوم عبدي سيقترح أسماء لشغل مناصب رسمية، بينها مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة إلى مرشحين للتمثيل في مجلس الشعب، ودمج أفراد ضمن مؤسسات الدولة. كما اتفق الطرفان على دمج جميع القوات العسكرية والأمنية لـ«قسد» ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، ودمج المؤسسات المدنية ضمن هيكل الحكومة السورية.
وأكدت الرئاسة السورية التزامها بتنفيذ المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للكرد، بما يعكس توجهًا نحو بناء دولة موحدة قائمة على الشراكة الوطنية.
وعقب الإعلان عن التفاهمات، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار في جميع قطاعات عمليات الجيش لمدة أربعة أيام، اعتبارًا من الساعة الثامنة من مساء الثلاثاء، في خطوة تهدف إلى إنجاح الجهود الوطنية واستكمال مسار التفاهمات.




