الرئيسيةمقالات الرأي

د . مريم بدران تكتب : التطرف والبطالة: جذور الأزمة وبناء الوعي

المغرب .. بقلم : د . مريم بدران  

 التطرف الفكري والبطالة ليسا مجرد مشكلتين منفصلتين، بل هما وجهان لخلل أعمق يمس بنية الوعي داخل المجتمع. فالتطرف لا يولد فجأة، ولا يظهر كفكرة عابرة، بل يتشكل تدريجيا داخل عقول تبحث عن معنى، أو تنجذب إلى يقين جاهز يهرب من تعقيد الواقع. فالسؤال الحقيقي ليس: من هو المتطرف؟ بل: كيف وصل إلى هذه النقطة؟ ومن المسؤول عن الفراغ الذي سمح لهذه الفكرة أن تنمو؟

أما البطالة، فهي ليست فقط غياب عمل، بل غياب دور، وانكسار معنى، وتآكل للشعور بالقيمة الذاتية. حين يعجز الإنسان عن ايجاد مكانه في دورة الإنتاج، يبدأ تدريجيا في فقدان الإحساس بالإنتماء. وعند هذه النقطة، يصبح السؤال أكثر خطورة: هل ما يهدد الإنسان هو الفقر فقط، أم الفراغ الذي يتركه الفقر داخل وعيه؟ وقد يتحول هذا الفراغ إلى مساحة قابلة للاحتواء من قبل أفكار متطرفة، أو سلوكيات هروب مثل العنف أو الإنحراف أو الإدمان. فالعقل الفارغ ليس دائما محايدا، بل قد يصبح أرضا خصبة لأي فكرة تعبئه دون تمحيص أو وعي.

وفي هذا السياق، لا يمكن اغفال دور الوعي والتفكير النقدي. فغياب القدرة على التحليل، وتلقي المعلومات دون تمحيص، يجعل الفرد عرضة للتضليل. وهنا يبرز سؤال اخر: هل المشكلة في الأفكار نفسها، أم في عقول لم تتعلم كيف تفكر؟ ومع تكرار هذا النمط، قد يتكون شعور بالعداء تجاه المجتمع أو البيئة المحيطة، فينشأ نوع من القطيعة النفسية والفكرية، تتحول أحيانا إلى رفض كامل للواقع.

في المقابل، يمثل التعليم أحد أهم خطوط الدفاع ضد هذا الانحدار. لكن أي تعليم نقصد؟ هل هو التعليم الذي يلقن الإجابات، أم الذي يعلم طرح الأسئلة؟ هل نريد فردا يحفظ، أم إنسانا يفكر؟التعليم الحقيقي هو الذي ينمي العقل قبل ان يلقنه، ويعلم السؤال قبل الجواب، ويغرس قيمة الاختلاف لا الخوف منه. غير أن أي خلل في هذا النظام، أو ضعف في جودته، يترك فراغا قد يملأ بأفكار سطحية أو موجهة.

ومن زاوية أعمق، يلتقي التطرف والبطالة عند نقطة واحدة: الشعور بالهشاشة. إنسانا لا يشعر بقيمته في العمل، ولا يجد مساحة للتعبير عن ذاته، قد يبحث عن معنى بديل، حتى لو كان ذلك المعنى قائما على التشدد أو الاقصاء. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نلوم الشخص الذي انحرف، أم نواجه النظام الذي لم يحتضنه منذ البداية؟

ان الحل لا يكمن في القمع أو المواجهة المباشرة فقط، بل في خلق بيئة تشبع الحاجات الاساسية: عمل يضمن الكرامة، وتعليم ينير العقل، وثقافة تعلم تقبل الآخر. فالتنوع ليس تهديدا، بل هو سنة كونية، والعقل الواعي هو القادر على ادراك أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن احترام الآخر لا يتطلب بالضرورة الإتفاق معه.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: لا يوجد تطرف بلا سبب، ولا بطالة بلا نتائج. وبين السبب والنتيجة، تقع مسؤولية الإنسان والمجتمع معا. فهل نريد معالجة النتائج فقط، أم نملك الشجاعة لمواجهة الأسباب؟ لأن كل اصلاح حقيقي يبدأ من سؤال واحد: ماذا نفعل قبل أن نصل الى نقطة الإنهيار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى