الرئيسيةمقالات الرأي

د هشام الحسينى يكتب : تحديات الاقتصاد المصري في 2026: بين الضغوط الهيكلية والرهانات الجيوسياسية

القاهرة .. بقلم : د هشام الحسينى خبير اقتصادي ومحاسب قانونى

يشهد الاقتصاد المصري في عام 2026 مرحلة دقيقة تتداخل فيها التحديات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، ما يضع صانع القرار أمام معادلة معقدة تتطلب تحقيق التوازن بين الاستقرار الاقتصادي واستدامة النمو. وفي ظل هذه البيئة المتشابكة، لم تعد المعوقات تقليدية، بل باتت مركبة، تتطلب حلولًا مبتكرة ورؤية إصلاحية شاملة.

أولاً: معوقات هيكلية تعرقل الانطلاق
لا تزال البيروقراطية تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه بيئة الاستثمار في مصر، حيث يؤدي تداخل الاختصاصات بين الجهات الحكومية إلى إبطاء وتيرة تنفيذ المشروعات، رغم الجهود المبذولة لتفعيل نظام “الرخصة الذهبية”. كما أن الفجوة التكنولوجية تفرض عبئًا إضافيًا، في ظل الحاجة إلى تسريع وتيرة التحول الرقمي وتحديث البنية التحتية التكنولوجية بما يتماشى مع متطلبات الاقتصاد العالمي.

إلى جانب ذلك، يعاني الإنتاج المحلي من ارتفاع تكاليف التشغيل، سواء بسبب الاعتماد على مكونات مستوردة أو ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يضعف القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الخارجية.

ثانيًا: ضغوط نقدية تحد من التوسع
تظل أعباء الدين العام أحد أبرز القيود على السياسة المالية، حيث تستحوذ خدمة الدين على جزء كبير من الموازنة العامة، مما يقلص المساحة المتاحة للإنفاق التنموي. وفي الوقت نفسه، تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة التمويل، خاصة بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ما ينعكس سلبًا على معدلات النمو والتشغيل.

كما أن تذبذب التدفقات الدولارية، نتيجة الاعتماد على مصادر تقليدية مثل السياحة وإيرادات قناة السويس، يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية.

ثالثًا: التحديات الجيوسياسية تضاعف الضغوط
لا يمكن فصل الأداء الاقتصادي عن السياق الجيوسياسي، حيث تؤثر التوترات في منطقة الشرق الأوسط بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية، وبالتالي على إيرادات قناة السويس وسلاسل الإمداد. كما أن حالة عدم اليقين الإقليمي تدفع المستثمرين إلى تبني سياسات أكثر تحفظًا، ما يفرض على مصر تقديم حوافز استثنائية للحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية.

رابعًا: فجوة الإنتاجية وسوق العمل
تمثل فجوة المهارات أحد التحديات الهيكلية المزمنة، حيث لا تزال مخرجات التعليم بعيدة عن احتياجات سوق العمل، خاصة في المجالات الفنية والتكنولوجية. ويزيد من تعقيد المشهد اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي، الذي يحرم الدولة من موارد مالية مهمة، ويؤثر على عدالة المنافسة داخل السوق.

نحو استراتيجية متكاملة للإصلاح
في مواجهة هذه التحديات، يصبح من الضروري تبني رؤية إصلاحية شاملة ترتكز على تعزيز الإنتاجية وتحقيق الاستقرار الهيكلي.

1. إصلاحات تشريعية وهيكلية
يتطلب الأمر تفعيل مبدأ الحياد التنافسي بشكل كامل، بما يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، إلى جانب الإسراع في تطبيق منظومة “الشباك الواحد” بشكل رقمي شامل، لتقليل التعقيدات الإجرائية وتسريع وتيرة الاستثمار.

2. دعم القطاعات الإنتاجية
يمثل توطين الصناعات الوسيطة خطوة محورية نحو تقليل الاعتماد على الاستيراد، كما أن تعزيز الصادرات من خلال برامج فعالة ورد الأعباء التصديرية يمكن أن يسهم في تحقيق طفرة في الحصيلة الدولارية.

3. سياسات مالية ونقدية متوازنة
تتطلب المرحلة إعادة هيكلة الدين العام بما يقلل من أعبائه، مع الاستمرار في استهداف معدلات تضخم منخفضة تتيح المجال لخفض أسعار الفائدة تدريجيًا، بما يدعم النشاط الاقتصادي.

4. التحول الرقمي ودمج الاقتصاد غير الرسمي
يعد تعزيز الشمول المالي أحد المفاتيح الرئيسية لدمج الاقتصاد غير الرسمي، خاصة إذا ما تم ربطه بحوافز ضريبية وتسهيلات تمويلية، بالتوازي مع تطوير منظومة التعليم الفني لتلبية احتياجات سوق العمل.

5. التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية
يتطلب ذلك تنويع مصادر الطاقة والتوسع في المشروعات المستدامة، إلى جانب تعزيز دور مصر كمركز لوجستي إقليمي، بما يضمن مرونة أكبر في مواجهة الأزمات العالمية.

ختامًا
إن التحديات التي يواجهها الاقتصاد المصري في 2026، رغم تعقيدها، تمثل في الوقت ذاته فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد على أسس أكثر صلابة واستدامة. ويبقى النجاح مرهونًا بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات جريئة، وتعزيز دور القطاع الخاص، وخلق بيئة اقتصادية قادرة على التكيف مع عالم سريع التغير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى