الرئيسيةمصر

ضربة معلم” من القيادة السياسية: “الجين النوبي” يقود دبلوماسية مصر لاستعادة قلب أفريقيا.

كتب: حمدى حسن غبدالسيد

في عالم السياسة، هناك قرارات إدارية تمر مرور الكرام، وهناك “تحركات استراتيجية” تعيد رسم موازين القوى. ويأتي قرار القيادة السياسية بتعيين السفير محمد أبو بكر صالح نائباً لوزير الخارجية للشؤون الأفريقية في فبراير 2026، ليمثل “ضربة معلم” بامتياز؛ فهي خطوة لم تكتفِ بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بل استدعت “التاريخ والجغرافيا والهوية” لخدمة الأمن القومي المصري.

 

تجلّى ذكاء القيادة السياسية في إدراكها أن ملف القارة السمراء لا يحتاج فقط إلى “دبلوماسي محترف”، بل يحتاج إلى “رمزية حية”. اختيار شخصية من أبناء النوبة، بجذورها الضاربة في أعماق وادي النيل، هو بمثابة استحضار لروح “رواق أفريقيا” التاريخي. إنها رسالة سياسية شديدة الذكاء مفادها أن مصر لا تمد يدها لأفريقيا كـ “جارة”، بل تتقدم إليها بـ “أبنائها” الذين يشاركون القارة ملامحها، جذورها، وشجونها.

النسيج النوبي: تحطيم جدران التوجس

لطالما حاولت بعض القوى الإقليمية تصوير الشخصية المصرية بمعزل عن محيطها الأفريقي، لكن هذا التعيين جاء لينسف تلك السرديات تماماً. فالأصول النوبية للسفير محمد أبو بكر  صالج اين قرية كشتمنة التابعه لمركز نصر النوبة باسوان تعمل كـ “مُحفز ثقة” فوري؛ فالمفاوض الأفريقي حين يرى ملامح الجنوب المصري في صدارة المشهد، يشعر بالارتباط الوجداني قبل السياسي. هنا تتحول “البشرة السمراء والجذور الجنوبية” من مجرد سمات شخصية إلى “أدوات تفاوض ناعمة” تذيب جبالاً من التوجس التاريخي.

تستند هذه الخطوة إلى إرث حضاري لا يُضاهى. فالنوبة، التي كانت يوماً قلب إمبراطورية “كوش” ومملكة “مروي”، هي التي علّمت القارة فنون الحضارة. اليوم، تعيد القيادة المصرية إحياء هذا الدور؛ فالمفاوض النوبي يحمل في حقيبته “جينات” التعايش النيلي. بالنسبة له، النيل ليس مجرد “أرقام تدفق”، بل هو مقدّس وجودي يشترك فيه مع أشقائه في السودان وإثيوبيا ودول الحوض. هذه الخلفية تمنحه قدرة فائقة على صياغة حلول “أخوية” تتجاوز لغة الصراع السياسي الجاف.

“ضربة معلم” في توقيت حرج

تأتي هذه الخطوة في وقت تحتاج فيه مصر لترسيخ دورها في الاتحاد الأفريقي وحسم ملفات القرن الأفريقي والأمن المائي. إنها “ضربة معلم” لأنها:

  1. تُفعل الدبلوماسية الشعبية: عبر استغلال الروابط القبلية الممتدة التي تجعل من الشخصية النوبية “جسر عبور” آمناً نحو السودان وعمق الحوض.
  2. تؤكد وحدة المصير: فمن يدير الملف الأفريقي هو ابن الجنوب الذي يدرك معنى “شريان الحياة” بالفطرة.
  3. تستعيد الريادة المعنوية: بتقديم وجه مصري يعتز بأفريقيته، مما يعزز صورة مصر كدولة “جامعة” لكل ألوان الطيف الحضاري.

بوابة الجنوب فُتحت بمفتاحها الأصلي

إن قرار القيادة السياسية هو اعتراف بليغ بأن “بوابة أفريقيا” لا تُفتح إلا بمفاتيحها الأصلية، وأن “النوبة” هي ذلك الرواق الذي لم ينقطع نوره يوماً.

تعيين السفير محمد أبو بكر صالح ليس مجرد تكليف، بل هو “عودة للروح”؛ عودة إلى الجذور التي جعلت من مصر قلباً نابضاً للقارة. لقد أثبتت الدولة المصرية أنها تجيد اللعب بـ “القوة الناعمة” في أبهى صورها، واضعةً “سمار الجنوب” في مقدمة صفوفها لاستعادة مكانتها المستحقة كقائد ومعلم في القارة السمراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى