الرئيسيةمقالات الرأي

محمد أبو طالب يكتب : مجلس السلام وترامب .. حين تقرر واشنطن هدم النظام الدولي وإعادة بنائه على مقاسها

 

لم يعد العالم يتعامل مع تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبارها مجرد قرارات عابرة أو تصريحات مثيرة للجدل سرعان ما تخفت تحت ضغط الواقع أو اعتراض الحلفاء، بل بات واضحًا أن ما يجري هو مسار متكامل يستهدف إعادة هندسة قواعد النظام الدولي نفسه. نحن أمام لحظة فارقة تتقاطع فيها الأزمات الجيوسياسية مع تآكل الشرعيات الدولية، وتراجع الثقة في المؤسسات التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي قلب هذه اللحظة، يبرز ترامب بوصفه فاعلًا لا يؤمن بالإصلاح التدريجي، بل بالتجاوز الكامل لما هو قائم.

في هذا السياق، جاء إعلان ترامب عقب مشاركته في منتدى دافوس عن توقيعه على ميثاق «مجلس السلام» ليؤكد أن الولايات المتحدة في عهده لا تسعى إلى إصلاح النظام الدولي القائم أو تحديث أدواته، وإنما إلى تجاوزه وبناء بدائل جديدة تعكس ميزان القوة كما تراه واشنطن، لا كما كرسته الأعراف الدولية أو نصت عليه المواثيق الأممية. فالمسألة لم تعد خلافًا حول آليات العمل داخل النظام الدولي، بل صارت خلافًا حول وجود هذا النظام نفسه وجدواه.

الميثاق، الذي أُنشئ في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025، والمرتبط باتفاق وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين وإسرائيل الذي جرى التوصل إليه في شرم الشيخ خلال أكتوبر من العام نفسه، لم يكن مجرد إطار مؤقت لإدارة قطاع غزة أو حفظ السلام فيه. على العكس، جاء محمّلًا بطموحات تتجاوز الجغرافيا والحدث، إذ منح «مجلس السلام» صلاحيات شاملة تمتد إلى حل النزاعات المسلحة وتعزيز الاستقرار على المستوى العالمي، في صيغة تحمل دلالات سياسية عميقة تعكس رغبة أمريكية واضحة في امتلاك أداة دولية مرنة، لا تخضع لتعقيدات الفيتو ولا لبطء التوافقات الأممية.

ولم يتوقف الميثاق عند توسيع الصلاحيات أو إعادة تعريف مفهوم حفظ السلام، بل تضمن نقدًا مباشرًا وصريحًا للمؤسسات الدولية القائمة، متهمًا إياها بالفشل المتكرر في منع الحروب واحتواء الأزمات، مع دعوة مفتوحة للدول إلى «التحلي بالشجاعة» والانفصال عن تلك الهياكل التي فقدت فعاليتها. هذه اللغة غير المسبوقة في وثيقة ذات طابع دولي تكشف بوضوح أن الهدف ليس التكامل مع الأمم المتحدة أو تطويرها، بل التشكيك في جدواها وفتح الباب أمام نظام موازٍ قد يتحول بمرور الوقت إلى بديل فعلي لها.

وفي خطوة عززت هذا التوجه، أعلن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، أن نحو خمسٍ وعشرين دولة وافقت على الانضمام إلى مجلس السلام. ويضم هذا التحالف دولًا عربية محورية مثل الإمارات والسعودية وقطر والبحرين والمغرب، إلى جانب تركيا، ودول من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، فضلًا عن دول ذات ثقل سكاني واستراتيجي كإندونيسيا وباكستان. ويعكس هذا التنوع قدرة واشنطن على حشد تأييد دول تبحث عن أدوار أكبر في النظام الدولي، أو عن مظلة سياسية جديدة خارج الإطار الغربي التقليدي الذي بات عاجزًا عن استيعاب طموحاتها.

غير أن الصورة تكتمل عند النظر إلى قائمة الغائبين. فقد امتنعت الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن — بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين — عن الانضمام، كما أحجمت كندا وأستراليا وجميع دول الاتحاد الأوروبي باستثناء المجر. هذا الغياب يكشف عن انقسام حاد في بنية النظام الدولي، وشرخ غير مسبوق بين الولايات المتحدة وحلفائها التاريخيين، لم يعد خلافًا تكتيكيًا أو ظرفيًا، بل تحولًا استراتيجيًا عميقًا في الرؤى والمصالح.

ولا يمكن فصل هذا الانقسام عن سياق أوسع من التوترات المتراكمة. فترامب لم يُخفِ يومًا رغبته في إعادة تعريف علاقات بلاده مع العالم وفق منطق القوة والمصلحة المباشرة، سواء عبر طرحه المثير للجدل بشأن ضم جزيرة جرينلاند من الدنمارك، أو من خلال فرض رسوم جمركية حمائية استهدفت حلفاء واشنطن قبل خصومها. وقد اعتبرت العواصم الأوروبية هذه السياسات إعلانًا صريحًا لحرب تجارية تقوض أسس الشراكة الغربية، وتضرب فكرة العولمة في صميمها.

في المقابل، تنظر كل من روسيا والصين إلى مجلس السلام باعتباره مشروعًا غامضًا يحمل تهديدًا محتملًا لمكانتهما داخل منظومة الأمم المتحدة، خاصة في ظل غياب ضمانات واضحة تحافظ على الامتيازات التي يوفرها مجلس الأمن، وعلى رأسها حق النقض. ومن هنا جاء الموقف المتحفظ للكرملين، الذي أعلن صراحة أن لديه تساؤلات جوهرية لم تتلقَّ بعد إجابات من واشنطن بشأن طبيعة المجلس وحدود صلاحياته وآليات اتخاذ القرار داخله.

ومع تتابع هذه التطورات، يتضح أن ترامب لا يخوض معركة سياسية تقليدية، بل يسعى إلى تفكيك الأسس التي قام عليها النظام العالمي الليبرالي منذ نهاية الحرب الباردة. فهو يرفض التعددية الدولية، ويشكك في المؤسسات الجماعية، وينسحب عمليًا من منطق العولمة وحرية التجارة، مقابل بناء منظومة جديدة تقوم على الصفقات الثنائية، والتحالفات المرنة، والمؤسسات التي تُدار وفق الرؤية الأمريكية الخالصة. ويبدو أن مجلس السلام ليس سوى أولى لبنات هذا المشروع الطموح والمثير للجدل.

أما السؤال الأهم في هذه المرحلة، فهو كيفية تعامل العالم مع ترامب في ظل هذه المعطيات المعقدة. فلم يعد تجاهله خيارًا واقعيًا، كما لم يعد الصدام المباشر معه مضمون النتائج. لذلك تتجه القوى الدولية إلى مزيج من الاحتواء الحذر وإعادة التموضع؛ حيث تحاول أوروبا الحفاظ على تماسكها الداخلي وتعزيز استقلالها الاستراتيجي دون قطع الجسور مع واشنطن، بينما تراقب روسيا والصين تطورات مجلس السلام بعين حذرة، وتسعيان إلى تحصين الأمم المتحدة وتوسيع نفوذهما داخل الأطر القائمة.

وفي المقابل، تجد دول عديدة في الجنوب العالمي نفسها أمام فرصة لإعادة التفاوض على موقعها في النظام الدولي، مستفيدة من حالة السيولة الراهنة، دون الانخراط الكامل في مشروع ترامب أو الاصطفاف الصريح ضده. وهو ما يفتح المجال أمام سياسات تعدد المسارات بدل الانحياز الحاد، ويمنح هذه الدول هامشًا أوسع للمناورة بين القوى الكبرى.

في المحصلة النهائية، لا يمثل مجلس السلام مجرد كيان دولي جديد، بل تعبيرًا مكثفًا عن مرحلة انتقالية يعيشها النظام العالمي؛ مرحلة تتراجع فيها المسلمات القديمة، وتتقدم فيها سياسات القوة والصفقات، ويغدو التعامل مع ترامب اختبارًا حقيقيًا لقدرة العالم على التكيف دون الانهيار، وعلى إعادة التوازن دون الانزلاق إلى فوضى شاملة، في عالم لم يعد يقوده الإجماع، بل تحكمه إرادة من يملك الجرأة على كسر القواعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى