الرئيسيةمقالات الرأي

 محمد ابوطالب يكتب : خسارة ثلاثية لذوي الإعاقة: سيارة سُحبت… تموين أُلغي… ومعاش اختفى

 

لم تكن أزمة سيارات ذوي الإعاقة مجرد ملف إداري عابر، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إيلامًا وتعقيدًا في ملف الحقوق الاجتماعية خلال الفترة الأخيرة. فالقضية لم تعد تتعلق بسيارة أو إعفاء جمركي، بل أصبحت تتعلق بسلسلة من القرارات التي وضعت آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة في دائرة خسارة مزدوجة، بل ثلاثية، تهدد استقرار حياتهم بالكامل.

القصة تبدأ من حق أصيل: تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من وسيلة حركة مستقلة تعوضهم عن صعوبات التنقل والعمل والاندماج في المجتمع. ولهذا أُقرت منظومة سيارات ذوي الإعاقة باعتبارها وسيلة تعويضية، لا رفاهية ولا امتيازًا إضافيًا. لكن ما حدث لاحقًا قلب المعادلة رأسًا على عقب، فتحول الحق إلى عبء، والدعم إلى أزمة.

الصدمة الكبرى جاءت مع قرارات مطالبة عدد كبير من المستفيدين بسداد ما يُعرف بـ«الأرضيات»، وهي مبالغ مالية ضخمة وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 200 ألف جنيه، بل وتجاوزت أحيانًا ثمن السيارة نفسها. تخيل أن يُطلب من شخص بذل سنوات من عمره ليجمع ثمن سيارة تعينه على الحركة والعمل أن يدفع فجأة مبلغًا قد يعجز عنه تمامًا. كيف يمكن لإنسان يعاني أصلاً من تحديات صحية واقتصادية أن يتحمل عبئًا بهذا الحجم؟

لكن المأساة لا تتوقف عند هذا الحد.

الكثير من الأشخاص الذين حصلوا على سيارات مجهزة للاستعمال الشخصي دخلوا المنظومة وفق شروط واضحة. من بين هذه الشروط أنهم لا يحصلون على مساعدات نقدية مباشرة من الدولة. بل إن بعضهم خرج فعليًا من منظومة بطاقات التموين، وتنازل عن معاش «تكافل وكرامة»، لأن امتلاك السيارة كان يُعد مؤشرًا على تحسن الوضع الاقتصادي. أي أنهم دفعوا ثمنًا اجتماعيًا واقتصاديًا مسبقًا مقابل هذا الحق.

 

واليوم، يجد هؤلاء أنفسهم في وضع صادم: لا سيارة يستطيعون الاحتفاظ بها بسبب «الأرضيات»، ولا بطاقة تموين تعينهم على مواجهة الغلاء، ولا معاش يساعدهم على تدبير احتياجاتهم الأساسية. لقد خسروا كل شيء دفعة واحدة. خسروا وسيلة الحركة، وخسروا الدعم التمويني، وخسروا المساعدات النقدية. أي رسالة أقسى من هذه يمكن أن تصل إلى مواطن كان يظن أنه يسير نحو حياة أكثر استقلالًا؟

 

المشكلة هنا ليست في فكرة ضبط المنظومة أو مواجهة أي تجاوزات قد تكون حدثت، فهذا حق أصيل للدولة والمجتمع. لكن الكارثة الحقيقية تكمن في العقاب الجماعي الذي طال الجميع دون تمييز بين المخطئ والمستحق. فالقرارات المتسرعة حين تُطبّق دون دراسة شاملة لآثارها الاجتماعية، قد تتحول إلى عبء أكبر من المشكلة التي حاولت حلها.

 

من غير المنطقي أن يتحمل الشخص ذو الإعاقة نتيجة أخطاء إدارية أو ثغرات تنظيمية لم يكن طرفًا فيها. العدالة تقتضي بوضوح أن يُحاسَب من أخطأ، لا أن يدفع الثمن من التزم بالقانون وسار وفق الإجراءات الرسمية.

 

وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يتحمل مسؤولية هذه الأزمة؟

المسؤولية لا يمكن أن تبقى بلا عنوان. القرارات التي تمس حياة آلاف الأسر يجب أن تُراجع، ويجب فتح تحقيق شامل لتحديد أسباب ما حدث، ومحاسبة كل من تسبب في الإضرار بحقوق المستفيدين. فغياب المحاسبة يعني ببساطة أن الأزمة قد تتكرر في أي وقت، وبصورة ربما تكون أكثر قسوة.

 

لكن المحاسبة وحدها لا تكفي. فالأزمة الحالية تحتاج إلى حل عاجل يعيد التوازن ويمنع انهيار حياة آلاف الأسر. أحد أهم الحلول المطروحة يتمثل في تحمّل صندوق دعم ذوي الإعاقة تكلفة «الأرضيات» عن غير القادرين. هذا الصندوق أُنشئ أساسًا ليكون شبكة أمان لهذه الفئة، لا أن يقف بعيدًا بينما يواجه المستحقون مصيرهم وحدهم.

 

كما يجب إعادة النظر في أوضاع من خرجوا من منظومة التموين أو فقدوا معاش «تكافل وكرامة» بسبب حصولهم على السيارة، فهؤلاء لم يتحسن وضعهم الاقتصادي كما يُفترض، بل وجدوا أنفسهم اليوم في وضع أشد صعوبة من ذي قبل. إعادة دمجهم في منظومات الحماية الاجتماعية أصبح ضرورة إنسانية قبل أن يكون قرارًا إداريًا.

 

إن ما يحدث اليوم يطرح سؤالًا أكبر حول كيفية إدارة ملفات الحماية الاجتماعية: هل الهدف هو ضبط الأرقام فقط، أم حماية الإنسان؟ لأن أي منظومة تفقد بعدها الإنساني تتحول إلى عبء على من صُممت لخدمتهم.

 

القضية ليست مجرد أرقام أو قرارات تنظيمية. إنها قصص بشرية حقيقية لأشخاص حاولوا أن يعيشوا بكرامة، فوجدوا أنفسهم فجأة أمام أزمة تهدد كل ما بنوه خلال سنوات طويلة من الصبر والكفاح.

 

إن إنقاذ الموقف ما زال ممكنًا، لكنه يحتاج إلى شجاعة في الاعتراف بالخطأ، وسرعة في اتخاذ القرار، وعدالة في توزيع المسؤولية. المطلوب ليس إلغاء المنظومة، بل إصلاحها. ليس معاقبة الجميع، بل محاسبة من أخطأ فقط. وليس ترك المستحقين يواجهون مصيرهم، بل إعادة بناء شبكة الأمان التي وُعدوا بها.

 

فالمجتمعات تُقاس بقدرتها على حماية الأضعف، لا بقدرتها على تحميلهم أعباء إضافية. وفي هذه اللحظة تحديدًا، ينتظر آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة قرارًا يعيد إليهم شعور الأمان، ويؤكد أن حقوقهم ليست مجرد نصوص، بل واقع يمكن الوثوق به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى