محمد عبد المنعم يكتب : تقادم دعاوى الإيجارات في ضوء أحكام النقض: ضمانة للاستقرار أم قيد على الحقوق؟

لم تعد قضايا الإيجارات في مصر مجرد نزاعات تقليدية بين مالك ومستأجر، بل تحوّلت إلى ساحة قانونية معقدة تتقاطع فيها الحقوق مع الزمن، وتلعب فيها مسألة “التقادم” دورًا حاسمًا في تحديد مصير الكثير من الدعاوى.
وفي هذا الإطار، أرست محكمة النقض مجموعة من المبادئ التي لا يمكن النظر إليها باعتبارها قواعد إجرائية فقط، بل كفلسفة قانونية تسعى لتحقيق التوازن بين استقرار المعاملات وحماية الحقوق.
أحد أبرز هذه المبادئ يتمثل في ربط بدء مدة التقادم بعلم المؤجر، لا بمجرد وقوع الواقعة. فاعتبار أن دعوى فسخ عقد الإيجار تبدأ من تاريخ علم المؤجر بوفاة المستأجر الأصلي يعكس إدراكًا قضائيًا عميقًا لواقع العلاقات الإيجارية، حيث قد تمر سنوات دون علم المالك بتغير جوهري في شاغلي العين. هذا التوجه يمنح المؤجر فرصة حقيقية لممارسة حقه، ويمنع في الوقت ذاته التحايل أو إخفاء الوقائع.
لكن، وعلى الجانب الآخر، فإن تحديد مدة خمسة عشر عامًا كسقف زمني للتقادم يطرح تساؤلات مهمة: هل هذه المدة الطويلة تعزز الاستقرار أم تفتح الباب لإطالة أمد النزاعات؟ فالإبقاء على الحق في رفع الدعوى طوال هذه الفترة قد يؤدي إلى حالة من “عدم اليقين القانوني” بالنسبة للمستأجرين، خاصة في حالات الترك أو التأجير من الباطن.
وفيما يتعلق بدعاوى الإخلاء بسبب الترك أو التأجير من الباطن، فإن اشتراط علم المؤجر لبدء سريان التقادم يضع عبئًا إثباتيًا كبيرًا على عاتقه. فكيف يمكن إثبات لحظة العلم؟ وهل يكفي مجرد الادعاء أم يتطلب دليلًا قاطعًا؟ هذه الإشكاليات العملية قد تجعل من تطبيق المبدأ أكثر تعقيدًا من صياغته النظرية.
كما أن مبدأ سقوط الحق في الإخلاء أو الفسخ إذا تقاعس المالك السابق عن اتخاذ إجراء لمدة 15 عامًا، يعكس توجهًا واضحًا نحو حماية الاستقرار القانوني ومنع إعادة فتح نزاعات قديمة. إلا أن ذلك قد يُفهم أحيانًا على أنه إهدار لحقوق ملاك جدد لم يكونوا طرفًا في التقاعس السابق، وهو ما يستدعي إعادة النظر في كيفية تحقيق التوازن بين الخلف العام والخاص.
أما فيما يخص عقود الإيجار الصادرة من الوكيل دون تفويض صحيح، فإن إخضاعها أيضًا للتقادم الطويل يهدف إلى حماية الأصيل، لكنه في الوقت ذاته يمنح هذه العقود نوعًا من “الشرعية الزمنية” إذا لم يتم الطعن عليها خلال المدة المحددة، وهو ما يكرّس مبدأ استقرار المعاملات حتى وإن شابها عيب في البداية.
في النهاية، يمكن القول إن مبادئ محكمة النقض بشأن تقادم دعاوى الإيجارات تمثل محاولة جادة لتحقيق التوازن بين حق التقاضي واستقرار المراكز القانونية. غير أن التطبيق العملي لهذه المبادئ يظل بحاجة إلى وعي قانوني أكبر من الأطراف كافة، وربما إلى تدخل تشريعي يُعيد ضبط بعض الجوانب التي قد تثير إشكالات في الواقع.
فالزمن في القانون ليس مجرد عامل محايد، بل قد يكون سببًا في حفظ الحقوق… أو ضياعها.




