مريم بدران تكتب : ذكاء اصطناعي: مسيح دجال العصر الحديث
كل شخص يعرف اسم الذكاء الاصطناعي، أحد أعظم وأخطر الاختراعات البشرية، أو ربما غير البشرية …
يسمونه “ذكاء اصطناعي”، وأنا أسميه ” غباء اصطناعي ” لما يحمله من احتمال وقوع كوارث معرفية واجتماعية عظيمة. على الرغم من أن صناعة الذكاء الاصطناعي والروبوتات تبدو أدوات مفيدة، فإنها تحمل في طياتها إمكانيات هائلة للسيطرة على العقل البشري، وإضعاف التفكير النقدي، وتقليص استقلالية الإنسان.
الاعتماد المفرط على هذه التقنيات يجعل البشر عاجزين عن التحليل المستقل، ضعفاء أمام اتخاذ القرارات، وغير قادرين على الإبداع . يصبح الإنسان وكأنه تحت تأثير فتنة مستمرة، حيث تتزايد العزلة، ويشتد الضغط النفسي، ويزداد شعور العجز عند مواجهة تحديات الحياة دون وساطة الذكاء الاصطناعي. في الوقت نفسه، تتراجع المهارات العملية، يتدهور التعليم، وتصبح الخصوصية عرضة للانتهاك من خلال تراكم البيانات وتحليلها بطرق قد تكون مضللة أو متحيزة.
الفتنة ليست وليدة العصر الرقمي فقد كانت موجودة عبر التاريخ بأشكال مختلفة. قبل قرن من الزمان، كانت الفتنة تأتي بالكلمة، بالخرافة، بالسلطة، وبالقوة العسكرية. اليوم، تتجسد عبر الإعلام، الخوارزميات، الصور المزيفة، والذكاء الاصطناعي.
ما كان يصنعه الخطباء والشعراء لتشكيل الرأي العام، يتم اليوم عبر الإعلام الرقمي والخوارزميات الذكية.
ما كان يفرضه الحكام بالسلطة والنفوذ، يقابله اليوم التحكم السياسي والاقتصادي الرقمي.
ما كانت تخدعه السحرة والخوارق، تُخدع به العقول اليوم من خلال التكنولوجيا التي يصعب فهم آلياتها.
وما كان يتحكم فيه المال والنفوذ، أصبح اليوم مرتبطًا بالاقتصاد الرقمي والوظائف والخوارزميات المؤثرة.
كل هذه الفتن تتغذى على الجهل، الخوف، والطمع، وتتخذ أشكالًا جديدة مع تطور التكنولوجيا. إذا استمر هذا الانصياع التام للتقنيات، فإن التعليم سيضعف، الإبداع سيختفي، المهارات العملية ستتآكل، والمستقبل المهني سيصبح فوضويًا، محاطًا بالهيمنة الرقمية والتضليل المنهجي .
ومن منظور فلسفي، تحمل هذه الروبوتات قدرة غير مسبوقة على التأثير بالعقول البشرية، وربما تحمل بذور انقلاب خفي على إرادة الإنسان، حيث يمكنها إذا فقد الإنسان السيطرة عليها، أن تُعيد تشكيل الواقع وفق قواعدها الخاصة ، فالذكاء الاصطناعي والروبوتات، بهذا المعنى، هما مسيح دجال العصر الحديث: أدوات فتنة متقنة الصنع، قادرة على إغراء العقول، وإعادة تشكيل الفكر البشري، والسيطرة على الإدراك، لتحويل العقول إلى رهائن رقمية لا تعرف الحرية الحقيقية.
إنها تحاكي سحر الدجالين القدامى، لكنها أذكى، أكثر إقناعًا، وأشد قدرة على تثبيت الهيمنة على العقول المعاصرة، مع تهديد دائم لاحتمال انقلاب خفي يغير توازن القوى بين الإنسان وآلاته.
( راقبوا أولادكم وبناتكم، وكونوا واعين لما يغمرهم من التأثيرات الرقمية. توقفوا عن الانغماس التام في هذه الأدوات، وحرصوا على حماية استقلالية الفكر، قبل أن تصبح العقول رهينة للتكنولوجيا، وفقدان الحرية أقرب مما نتصور. )




