مسيرة الإصلاح الاقتصادي في مصر: من الاستقرار المالي إلى النمو المستدام (2016 – 2026)

كتبت:إيمان خالد خفاجي
منذ عام 2016، تبنت الدولة المصرية نهجاً إصلاحياً شاملاً استهدف معالجة الاختلالات الهيكلية المزمنة في الاقتصاد الوطني. بدأت هذه الرحلة بخطوات اتسمت بالجرأة، وعلى رأسها تحرير سعر صرف الجنيه، وضبط المالية العامة، وإعادة هيكلة منظومة الدعم. ولم تكن هذه السياسات مجرد إجراءات تقشفية، بل كانت رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاستقرار المالي وجذب الاستثمارات الأجنبية، مع وضع حماية الفئات الأولى بالرعاية كأولوية قصوى؛ وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في لقاءاته المستمرة، مشدداً على أن المواطن هو البطل الحقيقي في تحمل تبعات هذا الإصلاح لجني ثمار التنمية.
وعلى صعيد المؤشرات الكلية، نجح الاقتصاد المصري في تحقيق قفزات نوعية تعكس مرونة الجهاز الإنتاجي للدولة. فبحلول الربع الثالث من السنة المالية 2024/2025، سجل الناتج المحلي الإجمالي معدل نمو قوي بلغ 4.77%، وهو ما يمثل طفرة ملحوظة مقارنة بنسبة 2.2% المسجلة في الفترة ذاتها من عام 2024. وتزامن هذا النمو مع تعزيز كبير لمركز مصر المالي، حيث ارتفع احتياطي النقد الأجنبي من مستويات متدنية بلغت 13.4 مليار دولار في عام 2016 ليصل إلى مستوى قياسي ناهز 52.7 مليار دولار بنهاية فبراير 2026، مما منح الاقتصاد غطاءً آمنًا ضد التقلبات العالمية.
وفيما يخص السيطرة على الأسعار، آتت السياسات النقدية والمالية ثمارها في كبح جماح التضخم بشكل ملموس؛ إذ انخفضت معدلاته من ذروتها التي بلغت 38% في عام 2017 لتستقر عند حوالي 11.9% في يناير 2026. هذا التراجع ساهم بشكل مباشر في استقرار القوة الشرائية للمواطنين بعد سنوات من التحديات، مدعوماً بزيادة كفاءة التحصيل الضريبي وترشيد الإنفاق الحكومي بما يخدم المشروعات التنموية الكبرى.
وبالتوازي مع الإصلاح الهيكلي، لم تغفل الدولة تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لضمان عدالة التوزيع. فقد شهدت الموازنة العامة للسنة المالية 2025-2026 تخصيص نحو 742.6 مليار جنيه للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، بزيادة قدرها 17% عن العام السابق. وتجسد هذا الدعم في برامج “تكافل وكرامة” التي توسعت لتشمل ملايين الأسر، حيث خُصص 54 مليار جنيه للدعم النقدي المباشر، بمتوسط دعم يصل إلى 900 جنيه شهرياً للأسرة الواحدة. وتتوزع هذه المظلة لتشمل الفئات الأكثر احتياجاً بنسبة 56% لبرنامج “تكافل” و44% لبرنامج “كرامة” المخصص لكبار السن وذوي الإعاقة.
ختاماً، فإن هذه المنظومة المتكاملة من الإصلاحات الاقتصادية والحماية الاجتماعية لم تساهم فقط في تحسين جودة حياة المواطنين، بل نجحت في بناء اقتصاد قوي قادر على مواجهة الأزمات. لقد استطاعت مصر تحويل التحديات المالية إلى فرص استثمارية، مع الحفاظ على الحد الأدنى للمعيشة وتعزيز قدرة الأسر المصرية على الصمود أمام تقلبات الأسعار العالمية، مما يرسخ قواعد الجمهورية الجديدة القائمة على التنمية والعدالة.




