م محمد خضيرى مشهدى يكتب : بناء المدن الكبرى .. العمران كقوة ناعمة في مصر والإمارات
بقلم م. محمد خضيري مشهدي
لم تعد المدن الحديثة تُبنى فقط لتوفير المسكن أو استيعاب الزيادة السكانية، بل أصبحت أحد أهم أدوات الدولة في إدارة الاقتصاد، وتوجيه التنمية، وصياغة صورتها في الإقليم والعالم. ومن هذا المنطلق، تمثل التجربتان المصرية والإماراتية في العمران نموذجين عربيين يعكسان تحول البناء من نشاط هندسي إلى خيار سياسي وتنموي طويل الأمد، لكل منهما دوافعه ومساراته، لكنهما يلتقيان عند فكرة مركزية واحدة: العمران مشروع دولة.
في دولة الإمارات العربية المتحدة، جاء التخطيط العمراني متقدمًا بخطوة على الواقع، ومتصالحًا مع المستقبل منذ اللحظة الأولى لتأسيس الدولة. فقد تم توظيف المدن كرافعة اقتصادية، ومختبر مفتوح للابتكار، ووسيلة فعالة لجذب رأس المال العالمي. لم تُصمَّم دبي وأبوظبي كمدن تقليدية، بل كمنصات اقتصادية متعددة الوظائف، تمزج بين المال والأعمال والسياحة والتكنولوجيا، في إطار تخطيطي مرن يعتمد على الشراكات الدولية والقطاع الخاص.
أما في الحالة المصرية، فقد حمل المشروع العمراني المعاصر طابعًا مختلفًا، فرضته تحديات تاريخية متراكمة، أبرزها النمو السكاني السريع، وتآكل العمران القديم، والتمركز الشديد للسكان في نطاق جغرافي محدود. من هنا، لم يكن التوسع العمراني خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة وجودية، استدعت إعادة رسم الخريطة السكانية والاقتصادية عبر إنشاء مدن جديدة في الصحراء، وتأسيس مراكز حضرية حديثة مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين والمنصورة الجديدة، في محاولة جادة لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا.
ورغم تباين الدوافع والسياقات، فإن التجربتين تكشفان عن تحول واضح في فهم دور العمران. ففي الإمارات، ارتبط البناء منذ البداية باقتصاد المعرفة والابتكار والهوية العالمية، بينما أصبح العمران في مصر أداة لإعادة ضبط إيقاع التنمية، وتحريك عجلة الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتحسين كفاءة البنية التحتية، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة تحديات المستقبل.
كما تعكس المقارنة اختلافًا في أسلوب الإدارة العمرانية. فالنموذج الإماراتي اتسم بالسرعة، والمغامرة المحسوبة، والجرأة في التصميم والتنفيذ، في حين سارت التجربة المصرية على خط يجمع بين الطموح والواقعية، مراعيةً حجم الدولة وتعقيداتها الاجتماعية والجغرافية. غير أن السنوات الأخيرة تشير إلى تسارع ملحوظ في الأداء المصري، خاصة مع التوسع في المدن الذكية، والتحول الرقمي، وربط المشروعات العمرانية بشبكات نقل وطرق متطورة.
ويكتسب التقارب المصري الإماراتي في هذا المجال دلالة خاصة، إذ لم يظل في إطار تبادل الرؤى، بل تُرجم إلى شراكات استثمارية واسعة، جعلت من الشركات الإماراتية شريكًا رئيسيًا في النهضة العمرانية المصرية، في تعبير عملي عن الثقة المتبادلة، ورؤية مشتركة ترى في العمران أساسًا للتنمية والاستقرار.
خلاصة القول، إن ما يجمع بين التجربتين يتجاوز الخرسانة والزجاج والطرق الواسعة؛ فهو تصور شامل للدولة الحديثة، التي تستخدم العمران كأداة لإدارة الحاضر واستشراف المستقبل. وبينما قدمت الإمارات نموذجًا عالميًا لمدن المستقبل، تسعى مصر إلى توظيف العمران كجسر يعبر بها من أزمات الماضي إلى آفاق الغد، في تأكيد واضح على أن التخطيط طويل الأمد، والاستثمار في الإنسان، والشراكة الذكية بين الدولة والقطاع الخاص، هي الركائز الحقيقية لأي نهضة عمرانية مستدامة.




