الرئيسيةمقالات الرأي

نورا علي المرعبي تكتب : الدولة أو اللا-دولة: حصرية السلاح هي الخط الفاصل بين بقاء لبنان وسقوطه

 

 لبنان .. بقلم: نورا علي المرعبي

لم يكن البيان الأخير الصادر عن السفارة الأمريكية في بيروت بشأن ضرورة حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل لحظة كاشفة لواقع سيادي لم يعد بالإمكان تجاهله. لقد وضع البيان إصبعه على جوهر الأزمة اللبنانية، لا على هامشها. فالدولة، وفق التعريف العلمي والسياسي الحديث، لا تقوم فقط على دستور وحدود، بل على احتكارها الحصري لوسائل القوة، وعلى قدرتها وحدها في اتخاذ قرار الحرب والسلم. وعندما يصبح هذا الاحتكار منقوصًا، تصبح الدولة نفسها منقوصة.

إن ما أكدته الولايات المتحدة في بيانها لا يشكل تدخلًا في السيادة اللبنانية، بل يعكس قاعدة أساسية تحكم استقرار الدول واستمراريتها. فالمجتمع الدولي لا يستطيع التعامل استراتيجيًا أو اقتصاديًا مع دولة لا تملك السيطرة الكاملة على قرارها الأمني. هذه ليست مسألة سياسية ظرفية، بل مبدأ ثابت يشكل أساس العلاقات الدولية الحديثة. فلا استثمار يمكن أن يتدفق بثقة، ولا استقرار يمكن أن يُبنى بشكل مستدام، في ظل واقع أمني لا تكون فيه الدولة المرجعية الوحيدة.

إن جوهر المشكلة لا يكمن في مضمون البيان، بل في الواقع الذي استدعى صدوره. فالدولة اللبنانية، ممثلة بـ الحكومة اللبنانية، لم تستكمل حتى اليوم مسار تثبيت سيادتها الكاملة على أراضيها. هذا الواقع لم يؤدِ فقط إلى إضعاف موقع لبنان على الساحة الدولية، بل انعكس مباشرة على استقراره الداخلي، وعلى اقتصاده، وعلى ثقة شعبه بمؤسساته. فالدولة التي لا تحتكر قرار القوة، تجد نفسها عاجزة عن طمأنة مواطنيها، وعاجزة عن طمأنة العالم.

إن بيان السفارة الأمريكية يجب أن يُقرأ في إطاره الحقيقي: ليس كإملاء، بل كتشخيص. وليس كضغط، بل كإشارة واضحة إلى أن استعادة الدولة لدورها الكامل لم تعد خيارًا سياسيًا مؤجلًا، بل أصبحت ضرورة وجودية. فكل التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي تفشل في ترسيخ احتكارها الحصري للسلاح، تبقى عرضة لعدم الاستقرار، وتبقى خارج منظومة الدول القادرة على تحقيق النمو والازدهار.

إن استعادة الدولة اللبنانية لدورها الكامل كمرجعية وحيدة للسلاح لا يشكل انتصارًا لأي طرف خارجي، بل يشكل انتصارًا للبنان نفسه. لأنه يعيد تثبيت مبدأ أساسي: أن الدولة وحدها هي الضامن الوحيد لأمن شعبها، وأن المؤسسات الشرعية وحدها هي التي تملك الحق في حماية الوطن وتحديد مصيره.

لبنان اليوم لا يواجه أزمة سياسية تقليدية، بل يواجه اختبارًا سياديًا حاسمًا. إما أن يستعيد مقومات الدولة الكاملة، أو أن يبقى في دائرة الهشاشة الدائمة. فالسيادة لا تُعلن، بل تُمارس. والدولة لا تُقاس بخطاباتها، بل بقدرتها على فرض سلطتها الشرعية دون شريك أو بديل.

إن اللحظة الراهنة ليست لحظة مواجهة مع الخارج، بل لحظة مصارحة مع الذات. لأن الحقيقة التي أثبتها التاريخ مرارًا هي أن الدول التي تنجح في استعادة سيادتها الكاملة، هي وحدها التي تنجح في حماية شعوبها، وبناء مستقبلها، واستعادة مكانتها بين الأمم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى