الرئيسية

نورا علي المرعبي تكتب : لبنان في مرحلة الخطر الاستراتيجي

 

لبنان .. بقلم :  نورا علي المرعبي

يدخل الشرق الأوسط اليوم مرحلة مفصلية جديدة بعد مقتل المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، وهو حدث لا يمكن اختزاله بإطار داخلي إيراني، ولا قراءته كتحول منفصل عن السياق الإقليمي الأوسع. ما جرى يمس بنية القرار في واحدة من أكثر الدول تأثيرًا في توازنات المنطقة، ويضع الشرق الأوسط أمام مرحلة انتقالية تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين، وإعادة تقييم قواعد القوة القائمة.

بالنسبة للبنان، لا يمكن التعامل مع هذا الحدث كخبر خارجي. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، يقع ضمن نطاق التأثر المباشر بأي تغيير في التوازن الإقليمي المرتبط بإيران. وجود حزب الله يجعل من لبنان ساحة حساسة لأي تحول في بنية القرار الإيراني أو في طبيعة المرحلة التي تلي هذا الحدث.

ما يجب إدراكه هو أن الأنظمة لا تُقاس فقط بوجود قياداتها، بل بقدرتها على ضمان الاستمرارية بعد غيابهم. المرحلة التي تلي غياب مركز القرار تكون دائمًا مرحلة إعادة تثبيت للتوازن الداخلي والخارجي. وفي هذه المرحلة تحديدًا، ترتفع احتمالات التوتر، ليس بالضرورة نتيجة قرار بالتصعيد، بل نتيجة محاولة مختلف الأطراف اختبار حدود التوازن الجديد.

في هذا السياق، يصبح الاستقرار الإقليمي أكثر هشاشة، وينعكس ذلك مباشرة على لبنان. فالتجربة اللبنانية تُظهر بوضوح أن الاستقرار الداخلي ليس منفصلًا عن التوازنات الخارجية. عندما تدخل المنطقة مرحلة انتقال، يدخل لبنان تلقائيًا في مرحلة ترقب، حيث تتباطأ القرارات السياسية الكبرى بانتظار اتضاح اتجاه التحولات الإقليمية.

لكن التأثير لا يقتصر على البعد السياسي أو الأمني، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي، الذي يُعد الأكثر هشاشة. الاقتصاد اللبناني يعتمد إلى حد كبير على عنصر الثقة، وهذه الثقة تتأثر بسرعة بأي ارتفاع في مستوى المخاطر الإقليمية. في بيئة تتسم بعدم الاستقرار، تتراجع الاستثمارات، وتتزايد الضغوط الاقتصادية، ويصبح التعافي أكثر تعقيدًا.

هذا الواقع يكشف مجددًا حقيقة أساسية: لبنان ليس معزولًا عن التحولات الإقليمية، بل يقع في صلبها. وهذا لا يرتبط فقط بالاصطفافات السياسية، بل بطبيعة موقع لبنان نفسه، الذي يجعله جزءًا من معادلات تتجاوز حدوده.

المرحلة الحالية ليست بالضرورة مرحلة مواجهة، لكنها بالتأكيد مرحلة إعادة تشكيل. وفي مثل هذه المراحل، تصبح قدرة الدول على حماية استقرارها الداخلي العامل الحاسم في الحد من تأثير التحولات الخارجية.

بالنسبة للبنان، التحدي لا يكمن في الحدث نفسه، بل في كيفية التعامل مع المرحلة التي تليه. لأن المخاطر في الفترات الانتقالية لا تنتج فقط عن الأحداث الكبرى، بل عن هشاشة البيئات التي تستقبل ارتداداتها.

اليوم، يقف لبنان أمام مرحلة تتطلب وعيًا عميقًا بطبيعة التحولات الجارية، وإدراكًا بأن الاستقرار لم يعد أمرًا بديهيًا، بل مسؤولية تتطلب إدارة دقيقة، ورؤية واضحة، وقدرة على حماية المصلحة الوطنية في بيئة إقليمية غير مستقرة.

في لحظات إعادة تشكيل التوازنات، لا تتغير فقط مواقع القوى، بل تتحدد أيضًا قدرة الدول على حماية استقرارها.

ولبنان، اليوم، أمام هذا الاختبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى