هانى المهندس يكتب : القطاع الخاص في مصر: من شريك داعم إلى قائد لمسار التنمية

بقلم : هانى المهندس محلل اقتصادي
في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد المصري، لم يعد الحديث عن دور القطاع الخاص مجرد ترف فكري أو خيار سياسي، بل أصبح ضرورة تفرضها تحديات الواقع وتطلعات المستقبل. فالدولة المصرية، وهي تمضي بخطى متسارعة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030، تعيد صياغة علاقتها مع القطاع الخاص، لينتقل من دور “المساند” إلى موقع “القائد” في دفع عجلة التنمية الشاملة.
لقد أثبتت التجارب الاقتصادية العالمية أن الاقتصادات القوية لا تُبنى فقط عبر الإنفاق الحكومي، بل عبر تمكين القطاع الخاص ليكون محركًا رئيسيًا للنمو، وهو ما بدأت مصر في ترسيخه عبر سياسات وإصلاحات هيكلية واضحة تستهدف خلق بيئة استثمارية أكثر تنافسية ومرونة.
أولًا، يمثل القطاع الخاص في مصر قاطرة التشغيل الحقيقية، إذ يستوعب النسبة الأكبر من قوة العمل، متجاوزًا ثلاثة أرباعها. ومع التوسع في مشروعات البنية التحتية والصناعة والخدمات، تتزايد قدرته على خلق فرص عمل مستدامة، الأمر الذي لا يسهم فقط في خفض معدلات البطالة، بل يعزز أيضًا الاستقرار الاجتماعي ويرفع من جودة الحياة للمواطنين.
ثانيًا، يتصدر القطاع الخاص مشهد الابتكار والتحول الرقمي، حيث تقود الشركات الناشئة طفرة نوعية في مجالات التكنولوجيا المالية والخدمات الذكية. هذا التحول لا يقتصر على تحديث أدوات الإنتاج، بل يمتد ليشمل تحسين كفاءة الاقتصاد ككل، عبر تعزيز الشمول المالي، وتطوير منظومة المدفوعات، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، بما يدعم تنافسية مصر إقليميًا ودوليًا.
وفي هذا السياق، تمثل “وثيقة سياسة ملكية الدولة” نقطة تحول استراتيجية، إذ تعكس توجهًا واضحًا نحو إعادة توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص. فرفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات إلى نحو 65% ليس مجرد رقم مستهدف، بل هو تعبير عن قناعة بأن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة فعالة من المستثمرين ورواد الأعمال، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، وتكنولوجيا المعلومات.
غير أن دور القطاع الخاص لم يعد اقتصاديًا بحتًا، بل بات شريكًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. فالمسؤولية المجتمعية للشركات أخذت أبعادًا أكثر عمقًا، من دعم التعليم الفني وتطوير المهارات، إلى المساهمة في المبادرات الصحية، وصولًا إلى تبني معايير الاستدامة البيئية، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي متوازن يحافظ على حقوق الأجيال القادمة.
ورغم هذا الزخم، لا تزال هناك تحديات تتطلب معالجة حاسمة، في مقدمتها تبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتسهيل الحصول على التراخيص، وتوفير التمويل اللازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلًا عن ضرورة تعزيز القدرات التصديرية للقطاع الخاص لزيادة تدفقات النقد الأجنبي.
في المحصلة، فإن تمكين القطاع الخاص في مصر لم يعد خيارًا تكميليًا، بل هو ركيزة أساسية لبناء اقتصاد قوي ومتوازن. وكلما نجحت الدولة في توفير بيئة أعمال عادلة ومحفزة، كلما تمكن هذا القطاع من إطلاق طاقاته الكامنة، ليس فقط لتحقيق النمو، بل لصناعة مستقبل اقتصادي أكثر ازدهارًا واستدامة لمصر.





