
علاء المغربى
شهدت قاعة «المؤتمرات» ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب انعقاد الجلسة الرابعة لمؤتمر المفكر الإسلامي أحمد أمين، والتي خُصصت لمناقشة سيرته الذاتية ومشروعه الفكري، وذلك برئاسة الدكتور أيمن فؤاد، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والمتخصصين في الفكر والأدب والفلسفة.
وفي مستهل الجلسة، استعرض الدكتور طارق منصور، أستاذ الأدب بجامعة عين شمس، ملامح بدايات المشروع الثقافي العربي الحديث، مؤكدًا أن مصر لعبت دورًا محوريًا في مطلع القرن العشرين، حين استقبلت عددًا كبيرًا من الكُتاب والشعراء العرب الفارين من الاحتلال والاضطرابات السياسية، ما أسهم في تأسيس مدارس فكرية وأدبية وصحفية أسست لنهضة ثقافية واسعة.
وأوضح «منصور» أن أحمد أمين يُعد أحد أبرز رموز الفكر المصري الأصيل، إذ نجح في الجمع بين روح الحداثة والارتكاز على الجذور الثقافية للمجتمع، مقدمًا مشروعًا موسوعيًا متكاملًا شمل التاريخ والفلسفة والأدب وعلومًا متعددة، في سياق مرحلة ثرية بزخمها الفكري، ضمت أسماء بارزة مثل توفيق الحكيم وعباس محمود العقاد.
من جانبه، أكد الدكتور عبد الحميد مدكور، أستاذ العقيدة والفلسفة والأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية، أن النصف الأول من القرن العشرين مثّل ذروة النهضة المصرية، مستشهدًا بتأسيس الجامعة المصرية عام 1908، والدور الوطني لثورة 1919 في توحيد الصف الثقافي وبناء الوعي العام.
وأشار «مدكور» إلى أن أحمد أمين كان من الطلاب المتميزين في تلك المرحلة، حيث تم اختياره لترجمة كتاب «تاريخ الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري» من اللغة الألمانية، تقديرًا لتمكنه اللغوي وقدراته العلمية المبكرة، ما مهّد لانطلاق مشروعه الفكري الكبير.
وأضاف أن دراسة التاريخ الإسلامي تتطلب منهجًا نقديًا صارمًا يراعي السياق السياسي والاجتماعي وتعدد الروايات والانتماءات الفكرية، وهو المنهج الذي التزم به أحمد أمين، متأثرًا بالرؤية التحليلية لابن خلدون في نقد التاريخ وفهم العمران البشري.
وتناول «مدكور» تطور الفكر الإنساني عبر ثلاث مراحل رئيسية، بدءًا من تفسير الظواهر بالقوى الغيبية، مرورًا بالبحث عن الأسباب الداخلية، وصولًا إلى مرحلة العلم التجريبي القائم على الملاحظة والتحقق، معتبرًا هذه المرحلة ذروة تطور العقل الإنساني، ومؤكدًا أن مشروع أحمد أمين جاء متسقًا مع هذا المسار العقلاني.
بدورها، أكدت الدكتورة أمل مبروك، أستاذة الفلسفة الحديثة بجامعة عين شمس، أن تناول فكر أحمد أمين يمثل تحديًا معرفيًا نظرًا لاتساع مشروعه وعمقه، مشيرة إلى أن أعماله تعكس طابعًا موسوعيًا تنويريًا، وقدرة لافتة على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة.
وأوضحت أن فلسفة أحمد أمين ارتبطت بالحياة اليومية للإنسان، وهدفت إلى تحرير العقل وبناء وعي قادر على التغيير والإصلاح، لافتة إلى كتابه «الأخلاق» الذي قدّم فيه مفهوم الضمير بوصفه سلطة داخلية موجِّهة للفعل، وكتاب «فيض الخاطر» الذي مثّل خلاصة رؤيته الإصلاحية والفكرية.
وفي السياق ذاته، شددت الدكتورة هدى عطية، أستاذ مساعد النقد والأدب بجامعة عين شمس، على أن إعادة طرح أسئلة الشخصيات الفكرية الكبرى، وفي مقدمتها أحمد أمين، ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة ملحة في ظل التحديات المعاصرة.
وأكدت أن مشروعه النقدي أسهم في ترسيخ وعي ثقافي شامل، ربط الأدب بسياقه الحضاري والاجتماعي، وفتح آفاقًا جديدة للنقد العربي في النصف الأول من القرن العشرين، قائمة على التحليل التاريخي وتعظيم دور العقل.
واختتمت بالتأكيد على أن القيم التي طرحها أحمد أمين، وعلى رأسها العقل والحرية والتقدم، لا تزال حاضرة وفاعلة، وتمثل ركائز أساسية لأي مشروع نهضوي حقيقي، مشيرة إلى أن إنتاجه الموسوعي يظل نموذجًا ملهمًا للباحثين والدارسين في مختلف الحقول المعرفية.




