احمد المنوفى يكتب: عمّتى الحاجة زهية … الأم التي اختارتني

ليست الأم وحدها من تنجب، فهناك قلوبٌ تنجب بالحب، وتربّي بالعطاء، وتعلّم بالصبر. وعمّتي كانت ولا تزال واحدة من هؤلاء القلوب العظيمة. لم تكن مجرد قريبة في شجرة العائلة، بل كانت شجرةً كاملة احتميتُ بظلّها، ونضجتُ بين أغصانها.
عمّتى الحاجة زهية الأم التي اختارتني دون العشرة اشقائى وهم سامية وميرفت وهالة وسماح وخالد ومحمود وهند وعزة وبدر وجميعهم اكبر منى فى العمر إلا بدر ولكنه اكبر منى مقاما ..
ومنذ طفولتي، احتوتني عمّتي وكأنني ابنها. ربّتني على القيم قبل الكلمات، وعلى الاحترام قبل الطموح، فكانت لي أمًا حين احتجت للأم، وسندًا حين تعبت، ويدًا حانية لا تتركني أسقط. علّمتني معنى الاعتماد على النفس، ومعنى أن يكون الإنسان مستقيمًا حتى في غياب من يراقبه.
وفي دروب الحياة، لم تبخل عليّ بنصيحة ولا بتوجيه. كانت مدرستي الأولى في الأخلاق، ومرآتي التي أرى فيها عيوبي دون قسوة، وأفهم من خلالها نفسي دون تجريح. صبرها عليّ لم يكن واجبًا، بل حبًا خالصًا، وهذا ما يجعل عطائها أعظم.
وحين كبرت، لم تتخلَّ عن دوري في حياتها. كانت حاضرة في أهم قراراتي، حتى يوم زواجي، حيث وقفت بجانبي كما وقفت معي في كل المراحل السابقة. شعرت وقتها أنني لا أبدأ حياة جديدة فقط، بل أحمل معي تاريخًا من الخير والدعاء والتعب الجميل الذي بذلته من أجلي.
عمّتي ليست ذكرى، بل حياة ممتدة في داخلي. وكل نجاح أصل إليه، وكل خطوة أثبت فيها، هي شاهد صغير على فضلها الكبير. وإن كانت الكلمات تعجز عن رد الجميل، فالدعاء الصادق يبقى أقل ما أقدّمه لامرأة علّمتني أن العائلة ليست دمًا فقط، بل رحمة ومسؤولية وحب لا ينتظر المقابل.



