الرئيسيةمقالات الرأي

الجمعيات الأهلية في مصر: من الرعاية الخيرية إلى مثلث التنمية المستدامة

بقلم: حمدي حسن عبد السيد

أمين عام جمعية التراث النوبي

لم يعد العمل الأهلي في مصر مجرد نشاط تطوعي لسد ثغرات الرعاية الاجتماعية، بل أضحى اليوم شريكاً استراتيجياً وأحد الأضلاع الثلاثة في “مثلث التنمية” إلى جانب الدولة والقطاع الخاص. هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسيرة تاريخية بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وتُوجت اليوم بمنظومة تنموية رقمية شاملة.

جذور تاريخية ورؤية عصرية

منذ تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1878 وجمعية المساعي الخيرية القبطية عام 1881، والعمل الأهلي المصري يرتكز على قيم التكافل. إلا أن العقود الأخيرة شهدت تحولاً في الفلسفة من “العمل الخيري الرعائي” إلى “العمل التنموي المستدام”. واليوم، نرى مؤسسات مثل (مصر الخير، الأورمان، وحياة كريمة) تقدم نموذجاً يدمج بين تقديم المساعدات العاجلة وبين تمكين المواطن اقتصادياً واجتماعياً ليكون عنصراً منتجاً في المجتمع.

التحالف الوطني.. عهد جديد من التنظيم (مستجدات 2024-2025)

لقد كان عام 2024 نقطة فارقة بانطلاق “التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي”، الذي نجح في توحيد جهود كبرى الجمعيات تحت راية واحدة. هذا التحالف لم يكتفِ بتنظيم الجهود، بل أطلق مبادرات كبرى مثل “كتف في كتف” للأمن الغذائي، ومبادرات “ستر وعافية”، وشارك بقوة في المبادرة الرئاسية “بداية لبناء الإنسان”.

إن هذا التنسيق العالي هو الترجمة الحقيقية لـ قانون 149 لسنة 2019، الذي رسخ مبادئ الشفافية والرقمنة. فالمنظومة الإلكترونية التي تم تفعيلها، أصبحت صمام الأمان لمحاربة الفساد البيروقراطي وضمان وصول كل مليم من التبرعات إلى مستحقيه الفعليين، مع الربط بقواعد بيانات الدولة لضمان عدم ازدواجية المنفعة.

المجتمع المدني وأهداف التنمية المستدامة

تتحرك الجمعيات الأهلية الآن وفق “أجندة مصر 2030″، وتتجلى أدوارها في محاور رئيسية:

  1. التمكين الاقتصادي: من خلال دعم المشروعات متناهية الصغر والحرف التراثية (كصناعات التراث النوبي)، مما يحول الأسر من “مستهلكة” إلى “صانعة”.
  2. الأمن الاجتماعي والصحي: عبر القوافل الطبية المتخصصة، والمساهمة في القضاء على قوائم الانتظار، وتطوير السكن ضمن مشروع “سكن كريم”.
  3. الوعي والبيئة: المشاركة الفعالة في مبادرات “اتحضر للأخضر” ومواجهة التغيرات المناخية، خاصة بعد الدور المحوري للمجتمع المدني في قمة COP27 وما تلاها.

الدور الإقليمي والقوة الناعمة

لم يقف دور الجمعيات المصرية عند الحدود الجغرافية، بل امتد ليكون ذراعاً إنسانياً قوياً للدولة المصرية في أزمات المنطقة؛ حيث قادت الجمعيات تحت مظلة التحالف الوطني قوافل إغاثية ضخمة للأشقاء في غزة والسودان، مما يعكس نضجاً مؤسسياً وقدرة على إدارة الأزمات الكبرى.

كلمة أخيرة

إن بناء دولة مصرية حديثة يتطلب مجتمعاً مدنياً قوياً، واعياً، ومنظماً. ونحن كعاملين في هذا الحقل، نرى أن البيئة التشريعية الحالية والتحول الرقمي قد مهدا الطريق لانطلاقة غير مسبوقة. إن العمل الأهلي هو نبض المجتمع وقيمه الأصيلة، وتطويره هو الاستثمار الأضمن لمستقبل أجيالنا القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى