الاقتصاد

الذكاء الاصطناعي: من “نقل المخاطر” إلى شراكة استراتيجية في قطاع إعادة التأمين

 

كتبت :إيمان خالد خفاجي

يحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين شركات التأمين المباشر ومعيدي التأمين، متجاوزاً المفهوم التقليدي القائم على مجرد “توزيع المخاطر” نحو نموذج جديد من الشراكة الاستراتيجية المبنية على تبادل البيانات الضخمة والرؤى التحليلية المعمقة.

ورغم الآفاق الواعدة التي يفتحها هذا التحول، إلا أن الصناعة تواجه أربعة تحديات جوهرية تعيق الاستفادة الكاملة من هذه التقنية:

1. معضلة جودة وهيكلة البيانات

تظل فاعلية نماذج الذكاء الاصطناعي رهينة جودة المدخلات. وتشير الدراسات إلى أن قطاعاً كبيراً من البيانات التأمينية الحالية غير مهيأ تقنياً للمعالجة الآلية، حيث تفتقر طرق التخزين والتنظيم الحالية إلى المرونة اللازمة لدعم أدوات التعلم الآلي بكفاءة.

2. تعقيدات التكامل التقني والاستثماري

لا يقتصر دمج الذكاء الاصطناعي على إضافة برمجيات جديدة، بل يتطلب إعادة هيكلة شاملة للبنية التحتية الرقمية. هذا التحول غالباً ما يصطدم بأنظمة قديمة لا تدعم الربط السلس، مما يحول مشاريع الذكاء الاصطناعي إلى استثمارات ضخمة تتطلب تخطيطاً طويل الأمد وتكاليف تشغيلية مرتفعة.

3. فجوة الكفاءات البشرية

يبرز تحدٍ مزدوج يتمثل في ندرة الكوادر التي تجمع بين “الخبرة التأمينية” و”علوم البيانات”. فالشركات، وخاصة الصغيرة منها، تواجه صعوبة في جذب خبراء التعلم الآلي، بالإضافة إلى الحاجة الملحة لتدريب الموظفين الحاليين على أدوات تحليل البيانات لضمان تحقيق قيمة مضافة حقيقية.

4. أمن البيانات وصراع السيادة الرقمية

تثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي مخاوف جدية بشأن خصوصية البيانات، خاصة في ظل التجاذبات الجيوسياسية. فعلى سبيل المثال، يمنح قانون Cloud Act الأمريكي السلطات حق الوصول إلى البيانات المخزنة لدى الشركات الأمريكية حتى لو كانت خارج الحدود، مما يثير قلق معيدي التأمين الدوليين من مخاطر التجسس الاقتصادي أو تسرب البيانات الحساسة للمنافسين.إعادة تأمين الكوارث الطبيعية: مواجهة “فوضى البيانات” بالتقنية

تواجه شركات إعادة التأمين ضغوطاً متزايدة مع تصاعد حدة الكوارث الطبيعية. وبحسب تقرير Sigma الصادر عن Swiss Re، بلغت الخسائر المؤمنة عالمياً 107 مليار دولار في عام 2025، وهو العام السادس الذي تتجاوز فيه الخسائر حاجز الـ 100 مليار دولار.

هذا الارتفاع الملحوظ في المطالبات وضع الأنظمة التقليدية تحت مجهر الاختبار، حيث تعاني الشركات من:

تشتت التنسيقات: وصول آلاف التقارير في وقت واحد بصيغ غير موحدة (PDF، جداول بيانات، رسائل بريد إلكتروني).

العمليات اليدوية: الاعتماد المفرط على الإدخال اليدوي للبيانات، مما يؤدي إلى ضياع وقت المحللين في “تنسيق” البيانات بدلاً من “تحليلها”.

نقص المعلومات: التأخير في تقديم تفاصيل حاسمة مثل تواريخ الخسارة الدقيقة أو الوثائق الداعمة، مما يؤدي لنزاعات قانونية وتأخير في سداد المطالبات.

رغم هذه التعقيدات، فإن عوائق تطبيق الذكاء الاصطناعي ليست مستعصية. فمن خلال رؤية استراتيجية واضحة واستثمارات مدروسة في “تطهير البيانات” وتدريب الكوادر، يمكن لشركات إعادة التأمين تحويل هذه التحديات إلى ميزة تنافسية تضمن الاستدامة والنمو في سوق تزداد مخاطره يوماً بعد يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى