السفير بكر إسماعيل الكوسوفي يكتب : الذاكرة والعدل ودبلوماسية الثقافة .. محمد صابر عرب من منظور كوسوفا

بقلم: الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
سفير. كوسوفو فى مصر سابقا
يأتي هذا المقال بوصفه محاولة علمية وثقافية شاملة لتقديم قراءة متعددة الأبعاد في سيرة ومسيرة الأستاذ الدكتور محمد صابر إبراهيم عرب، أحد أبرز الرموز الفكرية والثقافية في مصر والعالم العربي خلال العقود الأخيرة، والذي جمع في شخصه بين المؤرخ الأكاديمي الرصين، والإداري الثقافي المحترف، والوزير الذي أدار الشأن الثقافي في مرحلة انتقالية دقيقة من تاريخ الدولة المصرية.
ولا يهدف هذا العمل إلى تقديم سيرة تقليدية أو رصد كرونولوجي للمناصب والإنجازات، بقدر ما يسعى إلى تحليل نموذج المثقف المؤسسي الذي نجح في تحويل المعرفة التاريخية إلى قوة فاعلة في بناء السياسات الثقافية، وصياغة الوعي العام، وتفعيل الدبلوماسية الثقافية العربية في المحافل الإقليمية والدولية. وينطلق المقال من فرضية مركزية مفادها أن تجربة الدكتور محمد صابر عرب تمثل حالة نادرة من الاندماج الخلّاق بين الفكر والممارسة، وبين الأكاديمية وصنع القرار.
وقد جاء تقسيم المقال إلى فصول متكاملة ليعكس هذا التعدد في الأدوار؛ إذ تناولت الفصول الأولى المحطات الأساسية في حياته ومساره الوظيفي، مرورًا بإنتاجه العلمي ومنهجه في كتابة التاريخ العربي الحديث، ثم توقفت عند قراءات نقدية لأبرز أعماله، كاشفةً عن وعيه العميق بعلاقة المثقف بالسياسة، وبناء الذاكرة الوطنية، وتداخل التاريخ مع الأدب والرمزية الثقافية.
كما أفرد المقال حيّزًا خاصًا لدراسة حضوره العربي والدولي، ودوره في تحديث المؤسسات الثقافية، وتكوينه للأجيال الأكاديمية، وصولًا إلى تسليط الضوء على علاقاته الثقافية والإنسانية العابرة للحدود، ولا سيما موقفه الداعم لقضية كوسوفا، الذي قُدِّم هنا بوصفه نموذجًا عمليًا للدبلوماسية الثقافية القائمة على القيم الإنسانية، لا على المصالح الضيقة.
وفي هذا السياق، جاء إدراج القصيدة المُهداة إليه، وتحليلها أدبيًا، بوصفه بعدًا وجدانيًا توثيقيًا يُكمل البعد الأكاديمي، ويمنح النص بعدًا إنسانيًا يعكس أثره في الوجدان الثقافي، ويؤكد أن العلاقة بين المثقفين لا تُختزل في التعاون المؤسسي، بل تمتد إلى فضاء القيم المشتركة والذاكرة الرمزية.
وعليه، يُقدَّم هذا المقال كدراسة تركيبية تجمع بين السيرة والتحليل، والتاريخ والنقد، والفكر والشهادة، بهدف الإسهام في توثيق تجربة فكرية وثقافية تستحق أن تُدرَس بوصفها نموذجًا للمثقف العربي المسؤول في زمن التحولات.
الفصل الأول: المحطات الأساسية في حياة عالم ووزير
المعلومات الأساسية
وُلد الأستاذ الدكتور محمد صابر إبراهيم عرب عام 1948، وتوفي عام 2025، وشغل مكانة فريدة في المشهد الثقافي المصري والعربي. جمع بين المنصب الأكاديمي الرفيع بوصفه أستاذًا لتاريخ العرب الحديث بجامعة الأزهر، والمنصب السياسي وزيرًا للثقافة في ثلاث حكومات متعاقبة خلال فترة بالغة الحساسية من تاريخ مصر (2011–2014).
وقد تدرج في السلك الأكاديمي من معيد عام 1974 إلى أستاذ عام 1994، وهو مسار يعكس التأسيس المعرفي المتين الذي قامت عليه مسيرته اللاحقة، سواء في البحث العلمي أو في الإدارة الثقافية وصنع السياسات العامة.
الفصل الثاني: المسار الوظيفي – من الأزهر إلى دار الوثائق إلى الوزارة
يمثل المسار الوظيفي للدكتور عرب نموذجًا متكاملًا للتفاعل الخلّاق بين المجال الأكاديمي والإداري والوزاري. فقد رسخت بدايته في جامعة الأزهر (1974) منهجية علمية رصينة ووعيًا تاريخيًا عميقًا، قبل أن ينتقل إلى إدارة المؤسسات الثقافية والأرشيفية، حيث تولى رئاسة دار الوثائق القومية (1999)، ثم الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق (2005).
وقد أتاح له هذا المزيج النادر بين المؤرخ الأكاديمي والإداري الثقافي أن يكون وزيرًا فاعلًا للثقافة في أصعب المراحل الانتقالية (2011–2014)، إذ عمل على الحفاظ على استقرار المنظومة الثقافية وسط تحولات سياسية جذرية. ويؤكد هذا المسار أن الإدارة الثقافية الناجحة لا تقوم على المهارات الإدارية وحدها، بل تتطلب خلفية معرفية عميقة ووعيًا تاريخيًا بالتحولات المجتمعية.
الفصل الثالث: الإنتاج العلمي – التاريخ العربي في بؤرة الاهتمام
ترك الدكتور محمد صابر عرب إرثًا علميًا غزيرًا ومتعدد الاتجاهات، تجاوز سبعةً وثلاثين مؤلفًا، فضلًا عن عشرات الدراسات والمشاركات في الدوريات العلمية. ويمكن تصنيف إنتاجه العلمي ضمن محاور رئيسة، من أبرزها:
1. التاريخ المصري الحديث، ولا سيما دراساته حول ثورة 1919 وحادث 4 فبراير 1942.
2. تاريخ الخليج العربي وعُمان، حيث عُدّ من أبرز المتخصصين في هذا المجال.
3. الفكر والرموز الثقافية، من خلال تحليله لأفكار العقاد، وطه حسين، ومحمد عبده.
4. القضايا العربية المعاصرة، بما فيها العلاقات العربية–العربية والصراع العربي–الإسرائيلي.
5. المنهج والتوثيق، مع اهتمام خاص بمصادر التاريخ ومناهج المؤرخين، ولا سيما العُمانيين.
ويكشف هذا التنوع عن شخصية علمية موسوعية ربطت بين التاريخ المحلي والعربي والإسلامي، مع تركيز واضح على دور الفكر والثقافة في تشكيل الوعي التاريخي.




