السفير حمدى صالح يكتب : إدارة ترامب والتحديات الخارجية والداخلية

واشنطن .. بقلم السفير حمدي صالح ، مساعد وزير الخارجية الأسبق
بعد مرور عام على تولّي الرئيس دونالد ترامب الرئاسة، تبدو الخريطة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة وقد شهدت تغيّرات كبيرة، حملت معها تحديات غير مسبوقة تواجه إدارة ترامب، ومن المتوقّع أن تتزايد حدّة هذه التحديات مع نهاية العام المقبل، تزامنًا مع موعد الانتخابات النصفية لمجلس الشيوخ في نوفمبر 2026.
وتشير التوقّعات إلى أن تشهد الانتخابات انتصارات كبيرة للحزب الديمقراطي، تمكّنه من انتزاع السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ من الحزب الجمهوري، وهو ما سيؤدي إلى تقليص هامش الحركة الذي يتمتّع به الرئيس الأميركي حاليًا، في ظل كون «الكونغرس» يسانده في معظم قراراته.
ومن المحتمل أن يُلغي المجلس الجديد بعض قرارات الرئيس ترامب، وأن يدخل في نزاعات متواصلة مع إدارته. وسنركّز في هذه الإطلالة على التحديات الداخلية، التي تتمثّل في أزمات متعددة تتعلّق بالرئيس ترامب نفسه، وبالبيت الأبيض، وبالسياسات التي تنتهجها الإدارة، والتي يرى الديمقراطيون أنها تؤدي إلى تعميق الانقسام داخل المجتمع الأميركي وتحويله إلى مجتمع أقل تماسكًا.
وفيما يتعلّق بالأزمات الخاصة بالرئيس ترامب، تبرز إلى السطح «قضية جيفري إبستين»، مع الإفراج عن عدد من الملفات التي تضمّنت صورًا لمشاهير أميركيين وأجانب برفقة «إبستين» وفتيات قاصرات، من بينهم صور نُسبت إلى الرئيس ترامب نفسه. وقد أدّت هذه القضية إلى تفجّر الخلافات داخل القاعدة المؤيّدة لترامب، التي تشكّلت تحت شعار «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى».
ويُعدّ الخلاف العلني بين الرئيس ترامب والنائبة عن ولاية جورجيا «مارجوري تايلور غرين» من أبرز مظاهر هذا الانقسام، حيث قادت الأخيرة مجموعة من النساء اللواتي يزعمن أنهن ضحايا «إبستين»، وطالبن وزارة العدل بالإفراج الكامل عن ملفات القضية. وانتهى الخلاف بتبادل الاتهامات بينها وبين الرئيس ترامب شخصيًا، وصولًا إلى حدّ اتهام كلٍّ منهما الآخر بالخيانة.
كما برز خلاف آخر مع زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ «ميتش ماكونيل» الذي أصدر بيانًا عارض فيه سياسة ترامب، مشيرًا إلى أهمية الالتزام بالقيم والأخلاقيات الأميركية، في إشارة غير مباشرة إلى القضية نفسها. ويُعدّ «ماكونيل» شخصية محورية في التحالف الذي دعم الرئيس ترامب، ويشكّل هذا الانشقاق ضربة واضحة لذلك التحالف.
وتتواصل الانقسامات داخل دائرة البيت الأبيض نفسها، حيث ظهرت في تصريحات أدلت بها كبيرة موظفي البيت الأبيض «سوزي وايلز» التي يعتمد عليها الرئيس ترامب بدرجة كبيرة. ففي حديث لمجلة «فانيتي فير» الأميركية، أشارت إلى أنها حاولت ثني ترامب عن اتخاذ إجراءات انتقامية ضد معارضيه.
وأضافت «وايلز» أن توجّهات نائب الرئيس متقلّبة، وأن عددًا من مساعدي الرئيس ينتمون إلى اليمين المتطرّف، كما لمّحت إلى أن ترامب يتصرّف أحيانًا وكأنه يملك العالم بأسره، ويعتقد أنه قادر على فعل ما يشاء، في سلوك يصعب تفسيره في بعض الأحيان. وقد سارع البيت الأبيض لاحقًا إلى التأكيد على أن هذه التصريحات نُشرت بشكل مجتزأ وخارج سياقها.
هذه الانقسامات داخل الدائرة المحيطة بالرئيس ترامب في البيت الأبيض نفسه تركت أثرًا عميقًا لدى الرأي العام، وأسهمت في تراجع شعبيته إلى أدنى مستوياتها، إذ هبطت نسبة المؤيدين لسياساته إلى نحو 30% من الأميركيين، مقابل 70% عبّروا عن عدم رضاهم.
لكن القضية الثانية التي خلقت انقسامًا واسعًا داخل المجتمع الأميركي تتمثّل في مواقف ترامب المتشددة من ملف الهجرة، واستخدام إدارته أساليب بالغة القسوة في التعامل مع المهاجرين، سواء الشرعيين أو غير الشرعيين. بل وصل الأمر إلى إطلاقه تصريحات تفيد بعدم ترحيبه بالمهاجرين القادمين من دول العالم الثالث، مع تفضيله الواضح للمهاجرين البيض من شمال أوروبا تحديدًا، ما أدى إلى تصاعد الانتقادات الحادة ضده، واتهامه بدعم العنصرية والتحيّز للعرق الأبيض.
ويعيد هذا الخطاب إلى الأذهان مرحلة حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، التي قادها زعماء أميركيون من أصول أفريقية، وفي مقدمتهم مارتن لوثر كينغ، حين دعوا إلى العودة إلى الدستور الأميركي الذي يكفل المساواة في الحقوق لجميع المواطنين، مؤكدين أن العنصرية لا مكان لها في المجتمع الأميركي.
وتكشف الأزمة التي اندلعت بين الرئيس الأميركي وعضوة الكونغرس عن ولاية مينيسوتا «إلهان عمر» عمق هذا الانقسام بين مكوّنات المجتمع الأميركي، إذ تبنّت إدارة ترامب موقفًا بالغ الشدة تجاه الجالية الصومالية في الولاية، وهاجمت كذلك حاكم الولاية، وهو أبيض البشرة، بعد دفاعه عن هذه الجالية. ولا تزال هذه الأزمة تراوح مكانها حتى الآن.
كما تمثّل سياسات الهجرة المتشددة تهديدًا مباشرًا لأصحاب الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة، وخصوصًا من أصول لاتينية، وهو ما يُرجّح تصويت هذه الشريحة لصالح الحزب الديمقراطي في الانتخابات المقبلة.
ومن الفئات الأخرى التي تضرّرت من سياسات الإدارة، المتقاعدون من القوات المسلحة الأميركية، حيث اتخذت الإدارة إجراءات صارمة شملت إعفاء عدد من كبار الجنرالات، والدعوة إلى محاكمة بعض الجنرالات المتقاعدين. وبرّرت الإدارة هذه الإجراءات باعتبارها ردًّا على ما وصفته بدعوات إلى العصيان، إلا أن منتقدين رأوا فيها محاولة لتحويل الجيش الأميركي إلى جيش تابع للرئيس، لا مؤسسة وطنية مستقلة، وهو ما أثار جدلًا واسعًا.
وتسهم هذه السياسات مجتمعة في تعميق الانقسامات داخل المجتمع الأميركي. إلى جانب ذلك، هناك سياسات أخرى تمثّل عبئًا على المجتمع الأميركي ككل، وتؤثر بشكل مباشر في توجهات التصويت خلال انتخابات نوفمبر 2026، وقد تمتد آثارها إلى الانتخابات الرئاسية عام 2028، وفي مقدّمتها الأوضاع الاقتصادية.
وعلى الرغم من تأكيدات الرئيس ترامب المتكررة بوجود تحسّن عام في المؤشرات الاقتصادية، فإن العديد من الخبراء والمحللين ينفون ذلك، مشيرين إلى أن الأزمة الاقتصادية تتجلّى في ثلاثة مسارات متوازية:
أولًا: أزمة أسعار العقارات، حيث يُحتمل أن تدخل السوق العقارية الأميركية في أزمة حادة مشابهة لما حدث عام 2009، حين أدّت الأسعار المتضخمة وسياسات الإقراض السهلة إلى فقاعة عقارية انتهت بانهيار السوق، وإفلاس عدد من البنوك، واستعادة المؤسسات المالية أعدادًا كبيرة من العقارات بسبب عجز المقترضين عن سداد القروض.
ثانيًا: أزمة الأجور وارتفاع الأسعار، إذ لا تزال الأسعار في تصاعد مستمر نتيجة سياسة الإدارة القائمة على فرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات من الصين والمكسيك وكندا وغيرها. كما أسهم الاستغناء عن أعداد كبيرة من موظفي الحكومة الفيدرالية في إرباك سوق العمل وزيادة الضغوط المعيشية.
ثالثًا: تقلّص الإنفاق الفيدرالي على قطاعات التعليم والصحة والمرافق العامة، ما ولّد شعورًا واسعًا لدى المواطن الأميركي بضغوط اقتصادية لم يكن يتوقعها. وإضافة إلى ذلك، تضرّرت قطاعات السياحة والطيران والفنادق نتيجة السياسات المتشددة في الهجرة، التي أدّت إلى انخفاض أعداد السياح والوافدين إلى الولايات المتحدة. وتظل هذه العوامل المختلفة في حالة تفاعل مستمر داخل المجتمع الأميركي، الأمر الذي يعزّز التصوّر السائد لدى النخب السياسية والفكرية بأن الولايات المتحدة تعيش حالة من الانقسام الحاد، من المرجّح أن تنعكس بوضوح على نتائج الانتخابات المقرّرة في نوفمبر 2026.



