السيد خلاف يكتب : إيران بين الردع والانفجار..هل بقاء النظام ضرورة لتوازن الإقليم؟
بقلم: السيد خلاف
لم يعد السؤال في الشرق الأوسط: هل نختلف مع النظام الإيراني أم نتفق معه؟
السؤال الأخطر هو: ماذا يعني بقاؤه.. وماذا يعني سقوطه؟
في لحظة اشتباك” أمريكي – إسرائيلي” مفتوح مع طهران، تتقدم معادلة التوازن الاستراتيجي إلى واجهة النقاش.
إيران منذ ثورة 1979 بقيادة آية الله الخميني لم تكن مجرد دولة، بل مشروعًا أيديولوجيًا ،
أعاد تشكيل خرائط النفوذ في الإقليم.
ومنذ ذلك التاريخ تشكل محور مضاد للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي، بلغ ذروته في عهد علي خامنئي.
ميزان القوة لا ميزان الرضا
بقاء النظام الإيراني لا يعني قبول سياساته، لكنه يعني بقاء عنصر قوة موازٍ في معادلة الردع الإقليمي.
إسرائيل، بقيادة حكومات متعاقبة أبرزها حكومة بنيامين نتنياهو، ترى في المشروع النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، بينما ترى طهران في إسرائيل رأس حربة الهيمنة الغربية.
هنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ”توازن الخوف”:
إيران تمتلك برنامجًا نوويًا متقدمًا ومنظومة صاروخية بعيدة المدى.
إسرائيل تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا وعسكريًا مدعومًا أمريكيًا.
الولايات المتحدة، سواء في عهد دونالد ترامب الذي انسحب من الاتفاق النووي، أو في الإدارات اللاحقة، تحاول إدارة الصراع دون انفجار شامل، والنتيجة الطبيعية هنا ردع متبادل بلا حرب كبرى.
والسؤال : هل يحقق البقاء توازنًا فعليًا؟
من زاوية نظر استراتيجية بحتة، والإجابة: نعم.. لكنه توازن صراعي لا استقراري،
فوجود إيران قوية يمنع أي طرف من الانفراد بصياغة النظام الإقليمي، فهي حتى الآن لاعب مركزي في العراق، ولبنان، وسوريا، واليمن، هذا الامتداد يمنحها عمقًا جيوسياسيًا يعقّد أي محاولة لإسقاطها عسكريًا.
لكن هذا التوازن يحمل ثمنًا:
حروب بالوكالة، سباق تسلح، توتر دائم في الخليج، و استنزاف اقتصادي وأمني.
وهنا نتساءل: ماذا لو سقط النظام؟
السيناريو البديل لا يقل خطورة، ببساطة لأن إيران ليست دولة هامشية؛ إنها كيان جغرافي-سكاني ضخم، متعدد الأعراق والتيارات، ويملك ترسانة صاروخية وشبكات نفوذ ممتدة،و سقوط النظام قد يفتح أبواب:
صراع داخلي بين مراكز القوة، وعلى رأسها الحرس الثوري،
تفكك إقليمي يؤثر مباشرة على أمن الخليج والعراق، بالإضافة الى تفكيك استراتيجي قد تستغله قوى متطرفة أو تدخلات دولية مباشرة.
وبمعنى أدق:إسقاط النظام لا يعني تلقائيًا ولادة نظام مستقر موالٍ للغرب، بل قد ينتج حالة فوضى إقليمية أكبر من تلك التي شاهدناها بعد إسقاط أنظمة عربية في العقد الماضي.
وهنا تبرز المعضلة الخليجية، كون دول الخليج تنظر إلى إيران باعتبارها مصدر تهديد مباشر، لكنها في الوقت ذاته تخشى انهيارها الكامل، لذلك رأينا تقاربًا برعاية الصين أعاد العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023.
لم يكن التقارب تحالفًا، بل إدارة للمخاطر، فالخليج يدرك أن سقوط طهران قد يعني صراعًا مفتوحًا على حدوده البحرية والبرية، وهو سيناريو لا يقل تهديدًا عن استمرار النظام.
إذا..التوازن المطروح توازن ردع أم توازن استقرار؟
المشكلة الجوهرية أن الشرق الأوسط لا يعيش توازن استقرار، بل توازن ردع هش،
كل الأطراف تمسك بالزناد، لكنها تدرك أن إطلاق الرصاصة الأولى أو الحرب الجارية قد تشعل حربًا إقليمية كبرى.
وعليه فإن بقاء النظام الإيراني يمنع احتكار القوة، ويحافظ على معادلة ردع متبادل، لكنه يكرّس حالة الاشتباك المزمن.
أما سقوطه فقد يفتح باب إعادة تشكيل الإقليم، لكنه يحمل مخاطر انفجار غير قابل للسيطرة.
ختاما نقول ان التوازن الاستراتيجي لا يُقاس بالأمن الأخلاقي بل بميزان القوة.
وفي ميزان القوة الحالي، بقاء النظام الإيراني يحقق ردعًا متبادلًا يمنع الانفراد والهيمنة، لكنه لا ينتج سلامًا مستدامًا.
والسؤال الحقيقي ليس:
هل نريد بقاء النظام أم سقوطه؟ بل:هل المنطقة مستعدة لتحمل كلفة أي من الخيارين؟
وهنا ..تبدأ الحسابات الكبرى.. وتنتهي الشعارات.




