الرئيسيةمقالات الرأي

السيد خلاف يكتب: معركة الغرف المغلقة

 

كيف حاول بن زايد كبح تحالف مصري- سعودي في اليمن؟ وماذا قال ترامب عن السيسي خلف الأبواب المغلقة؟.

بداية لابد من القول بأنه لم يكن القلق الإماراتي من زيارة وزير الخارجية السعودي إلى القاهرة قلقًا دبلوماسيًا عابرًا، بل صدمة استراتيجية مكتومة داخل دوائر القرار في أبوظبي.

فاللقاء الذي جمع الوزير السعودي فيصل بن فرحان بالرئيس عبد الفتاح السيسي لم يُقرأ كمحطة تنسيق ثنائي، بل كـ بداية محتملة لتحالف يعيد تعريف اليمن من ساحة نفوذ إلى دولة، ويعيد البحر الأحمر من منطقة إدارة خلفية إلى مجال سيادي مصري مباشر.

ومن هذه اللحظة، تحركت الكواليس ، لا بيانات، لا تصريحات، فقط اتصالات صامتة، رسائل مشفّرة، وغرف مغلقة امتدّت بين أبوظبي وواشنطن وتل أبيب.

المحرك الحقيقى لمخاوف بن زايد من التحالف المصري السعودي هو البعد الاستراتيجي ، فاليمن ليس دولة مجاورة مضطربة، بل عقدة سيطرة على باب المندب ، وجسر نفوذ نحو القرن الإفريقي ، وحزام أمني بحري متقدم ، وأن أي تنسيق مصري-سعودي مستقل في اليمن يعني انهيار نموذج “الإدارة بالوكلاء” في الجنوب ، ونهاية النفوذ غير المباشر على الموانئ والجزر.

وتدخل مصر يعني خروج اليمن من منطق التفكيك إلى منطق الدولة،وهو ما يتناقض جذريًا مع المقاربة الإماراتية بتقسيم اليمن ، كما أن تحييد مصر يدفع باتجاه دعم أجندة أبوظبي وتل أبيب في تقسيم اليمن ، ولأن مصر لها محددات سياسية تحكم أطر تحركاتها،لا تعمل بالوكالة،ولا تدير حروبًا عبر شركات ولا تقبل أدوارًا جزئية،ولا تندمج في مشاريع نفوذ صامتة .

وفي العقيدة المصرية باب المندب خط أحمر مصري،ومن يهدد باب المندب يهدد قناة السويس،وأي وجود إماراتي -إسرائيلي ممتد في (سقطرى و عدن والمخا) يُقرأ في القاهرة كتهديد مباشر للأمن القومي ، كما أن سياسة مصر ترفض خرائط التفكيك من ليبيا إلى السودان إلى اليمن، فالقاهرة ترى أن تفكيك الدول يولّد فوضى لا يمكن احتواؤها.

وما تسرّب إلى أبوظبي من مضمون الزيارة لم يكن بروتوكوليًا، بل استراتيجيًا:

“نقاش صريح حول أمن البحر الأحمر، وحديث عن اليمن ما بعد الحرب، وتقارب في الرؤى تجاه الدولة المركزية،وتوافق على تقليص أدوار الكيانات الموازية،وهنا فهم بن زايد الرسالة هناك محور يتشكل خارج غرف أبوظبي”.

سارعت أبوظبي بالاتصالات السرية مع ترامب..فماذا طلب بن زايد من ماما أمريكا ؟ هذه الاتصالات لم تكن علنية بل عبر وسطاء مقربين من ترامب، وقنوات ضغط اقتصادية، ولوبيات متداخلة مع إسرائيل، الطلب غير معلن ، وهو “تحييد السيسي عن الملف اليمني” ، والرسالة الإماراتية لترامب بصيغتها السياسية:”مصر لاعب ثقيل، لكنها ستعقّد المشهد،نحن ندير اليمن بهدوء، دون تكلفة على واشنطن، دون تصعيد.”

النقاط التي جرى تسويقها:

الدور المصري سيُربك التوازنات،القاهرة لا تقبل الحلول الجزئية،التنسيق المصري-السعودي قد يُفشل الأدوات المحلية، الإمارات أقدر على “الإدارة الهادئة”.

جاء رد ترامب بما لم يكن في حسابات أبوظبي، لم يمنح موافقة، ولم يصدر رفضًا مباشرًا،لكنه تحدث مطولًا عن السيسي ، وأعاد مصر إلى قلب المعادلة، ترامب قال – وفق التقديرات الاستخبارية: “السيسي رجل قوي، لا يمكن تجاهله، ولا يتحرك دون حساب. وإذا دخل ملفًا، يغيّر قواعده”.

ثلاث ملاحظات حاسمة:السيسي لا يُدار من الخارج، ومصر لاعب طبيعي في باب المندب،

وتحييد القاهرة قد يرتد عكسيًا

ثم جاءت الجملة المفصلية:

“سأتحدث مع السيسي بنفسي لأعرف موقفه من قضايا المنطقة ”

وهنا أدرك بن زايد أن:محاولة التحجيم فشلت والملف خرج من الضغط الإماراتي ودخل التقييم الأمريكي المباشر مع القاهرة

لكن السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا أصر ترامب على التواصل المباشر مع السيسي؟

والإجابة:لأسباب واضحة في العقل الأمريكي وهي ثقة ترامب نفسه في “الرجال الأقوياء”

وإدراكه أن مصر تمسك ملفات غزة، قناة السويس، والبحر الأحمر، فضلا عن رغبة واشنطن في منع صدام مع القاهرة ، وقناعة ترامب بأن مصر تمنع الفوضى أكثر مما تصنعها.

إذا .. لماذا أُقحمت أبوظبي إسرائيل في الكواليس؟..لأن أبوظبي تعلم أن لا قرار أمريكي حول البحر الأحمر دون تل أبيب ، وأبلغت إسرائيل رسالة الإمارات وموقف تل أبيب ، ومضمونها :”الإمارات ضامن لأمن الملاحة،والوجود في سقطرى وعدن يخدم إسرائيل، وأن أي دور مصري مستقل قد يعيد تعريف البحر الأحمر سياديًا” .

لكن رد ترامب أعاد الحسابات وركز علي انه لا يمكن تجاوز القاهرة، ولا إدارة لباب المندب دونها

واللافت أن صمت القاهرة أربك الجميع ، فمصر لم تصدر بيانًا،و لم تدخل سجالًا. لم ترد عبر الإعلام لكنها: ثبّتت خطوطها الحمراء وعمّقت التنسيق مع الرياض، أبقت نفوذها السياسي حاضرًاوتركَت الآخرين يتحركون تحت الضوء ..هذه هي مصر الراسخة .

والصمت هنا ليس انسحابًا بل تموضعًا ،لكن الخلاصة الاستخباراتية النهائية :”أن

بن زايد حاول تحييد السيسي لا مواجهته ،وترامب رفض التحجيم وفضّل الاستماع المباشر للقاهرة، وإسرائيل أدركت حدود المناورة، والتحالف المصري-السعودي بات شبحًا يقلق أبوظبي،فاليمن ليس هو الهدف النهائي، والهدف الحقيقي هو: باب المندب،البحر الأحمر، ومعادلة ما قبل أي حرب كبرى مع إيران ، وهي الخطوة القادمة في مخطط نتنياهو وترامب لاستكمال هندسة النفوذ وإسرائيل الكبرى .

وأخيرا فإنني أرى أنه إذا اكتمل التنسيق المصري-السعودي فإن مشروع التقسيم سيسقط، ويُعاد تعريف اليمن السعيد بدون تقسيم ، ويُكبح النفوذ الإماراتي-الإسرائيلي جنوب الجزيرة، وتعود مصر إلى دور ضابط الإيقاع الإقليمي.

ولهذا كانت:الاتصالات السرية

في الغرف المغلقة ومحاولة التحجيم لمصر فشلت ،لأن السيسي ببساطة لا يُحيَّد، بل يُحسب له الحساب، وأن مصر تبقي صاحبة الكلمة في الإقليم، وأن من لايدورفي فلكها تذريه الرياح في مكان سحيق ، حتى وإن ضخت تريليوناتها في خزائن واشنطن وتل أبيب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى