الكنافة البلدي في أم خنان: إرث الطمي ورائحة الزمن الجميل

كتبت :إيمان خالد خفاجي
في قلب قرية “أم خنان” بمحافظة الجيزة، لا يبدأ مشهد الكنافة من طبق جاهز، بل من تفاصيل ضاربة في القدم؛ حيث يقف فرن بلدي صُنع من الطمي والطوب كشاهد حي على عقود من الصنعة التقليدية. أمام هذا الفرن، تتحرك يد الصانع بخفة الخبير، يمسك “الكوز” وينثر عجين الكنافة فوق صينية الفرن بحركات دقيقة، فتنساب الخيوط الرفيعة متتابعة ومتساوية كأنها خيوط حرير تُنسج على النار، وسرعان ما يفوح عبقها الطازج ليستدعي ذاكرة البيوت القديمة وموائد “زمن الطيبين”.
تمتد هذه الحكاية لأكثر من أربعة وعشرين عاماً، حيث تحولت صناعة الكنافة من مجرد حرفة إلى طقس سنوي يجمع العائلة. تبدأ الاستعدادات منذ شهر شعبان، حين يشتعل الفرن ليعلن قدوم البهجة قبل أوانها. ويرى أصحاب هذه المهنة أن سر التميز لا يكمن فقط في المكونات البسيطة من دقيق وماء، بل في “النفس” والحرص على خروج كل كيلوغرام بلون ذهبي وقوام متقن، مؤكدين أن الفرن البلدي الذي يوشك على الانقراض هو السر الحقيقي وراء المذاق الخاص الذي لا تجده في الأفران الحديثة.
تتجسد روح الاستمرارية في وقوف الأبناء إلى جوار الآباء، حيث يتوارث الأجيال أسرار الصنعة خطوة بخطوة. يتعلم الشبان كيفية التحكم في توزيع العجين ورصه بطريقة متساوية، مستلهمين من كبارهم قيم الصبر والدقة والعمل الجماعي. ولا يقتصر الأمر على الكنافة، بل يمتد ليشمل صناعة “القطايف” التي تكتمل بها ملامح المهنة العائلية، حيث يجد الشباب في الوقوف أمام الفرن شعوراً بالفخر والانتماء لمهنة يدوية تتطلب مهارة عالية وتقديراً لكل تفصيلة صغيرة.
ومع انطلاق صوت أذان المغرب وصلوات التراويح، تصبح الكنافة البلدي ركناً أساسياً من روح رمضان في القرية. تكتمل الصورة بمشاهد الأطفال وهم يركضون بالفوانيس وصواني الكنافة، مما يمنح الصناع شعوراً بالامتنان لأن عملهم بات جزءاً لا يتجزأ من فرحة الأهالي. إنها ليست مجرد تجارة، بل هي محاولة للحفاظ على تراث الأجداد، وبث الدفء في قلوب الزبائن الذين يجدون في هذا المكان عبير “الحبايب” وذكريات العمر التي لا تنطفئ بمرور السنين.




