المهندس توفيق عامر يكتب : التعليم الفني الصناعي … قاطرة التنمية الحقيقية وأمن المستقبل
بقلم م . توفيق عامر رئيس مجلس إدارة مجموعة العالمية للصناعات الهندسية
لم يعد التعليم مجرد ملف خدمي أو رفاهية يمكن تأجيلها، بل أصبح قضية أمن قومي من الدرجة الأولى. فالتعليم هو الضمان الحقيقي لحماية الدول وبناء مستقبلها، وهو خط الدفاع الأول في عالم تتغير فيه طبيعة الصراعات من حروب تقليدية إلى حروب علمية وتكنولوجية واقتصادية ومعلوماتية. وليس من قبيل المصادفة أن تكون أول آية نزلت في القرآن الكريم هي «اقرأ»، في إشارة واضحة إلى أن بناء الإنسان يبدأ بالعلم، وأن الأمم لا تقوم إلا على وعي ومعرفة.
من هذا المنطلق، يبرز التعليم الفني الصناعي بوصفه القاطرة الحقيقية للتنمية في أي دولة تسعى للنهوض الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. فالدولة التي لا تستثمر في عقل الإنسان ومهارته، مصيرها التراجع مهما امتلكت من موارد طبيعية أو إمكانات مالية.
نحن اليوم نعيش في ظرف إقليمي وعالمي شديد الحساسية؛ ما يحدث في دول مثل اليمن والسودان وليبيا وغيرها يؤكد أن المرحلة المقبلة ليست سهلة، وأن معارك المستقبل لن تُحسم بالسلاح وحده، بل بالعلم والتكنولوجيا والقدرة على الإنتاج. وفي هذه المعادلة، يصبح التعليم الفني الصناعي عنصرًا حاسمًا، لأنه الحلقة التي تربط بين العلم وسوق العمل، وبين المعرفة والإنتاج.
التعليم الفني ليس مجرد مسار بديل، بل هو مسار استراتيجي يهدف إلى إعداد قوى عاملة ماهرة قادرة على تلبية احتياجات الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة. وهو تعليم يحول الطالب من باحث عن وظيفة إلى صاحب حرفة، قادر على العمل والإنتاج فور تخرجه، ما يساهم في خفض معدلات البطالة، وتحسين مستوى المعيشة، وزيادة الجودة وتقليل الفاقد في خطوط الإنتاج، وبالتالي تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
وعندما تتحول الجودة إلى سمة أساسية للإنتاج، تزداد فرص التصدير، وتتدفق العملة الصعبة، ويصبح التعليم – لأول مرة – مصدر دخل قومي، لا عبئًا على الدولة. كما أن وجود عمالة مدربة ومؤهلة يفتح الباب أمام جذب الاستثمارات الأجنبية، لأن السؤال الأول لأي مستثمر هو: هل لديكم عمالة فنية مدربة؟ فإذا كانت الإجابة نعم، جاء الاستثمار، وإذا كانت لا، اتجه إلى دولة أخرى.
تجربة التعليم الفني المزدوج خير دليل على ذلك. هذا النموذج، المستوحى من التجربة الألمانية، يربط بين المدرسة والمصنع، حيث يدرس الطالب المواد النظرية في المؤسسة التعليمية، ويتدرب عمليًا داخل مواقع الإنتاج. والنتيجة خريج يفهم طبيعة العمل الحقيقي، لا مجرد معلومات نظرية. هذا النموذج أثبت نجاحه، ويؤكد أن القيمة الحقيقية ليست في الشهادة، بل في المهارة.
التجارب الدولية تؤكد هذه الحقيقة. فألمانيا بنت قوتها الصناعية على الفني المدرب، واليابان أعادت بناء نفسها بعد الحرب العالمية الثانية عبر الاستثمار في التعليم الفني، وكوريا الجنوبية تحولت من دولة نامية إلى قوة صناعية عالمية بفضل تركيزها على التعليم الصناعي والتقني. فالمصانع، مهما بلغت درجة تطورها، لا تنتج وحدها؛ من يشغلها ويحافظ عليها هو الفني الماهر.
وفي السياق المصري، تمثل الجامعات التكنولوجية نقلة نوعية في خريطة التعليم. فهي لا تكتفي بالتعليم النظري، بل تعتمد على التدريب العملي والتكنولوجيا الحديثة، وتقدم تخصصات حيوية مثل تكنولوجيا المعلومات، والطاقة المتجددة، والميكاترونكس، والصناعات الغذائية، وغيرها من المجالات المطلوبة محليًا وإقليميًا وعالميًا. هذه الجامعات تعكس تحولًا ثقافيًا مهمًا في نظرة المجتمع للتعليم الفني، باعتباره خيارًا ذكيًا لمستقبل مهني واعد.
ولا يمكن الحديث عن تطوير التعليم الفني دون التأكيد على الدور الوطني لرجال الأعمال. فمشاركتهم في التعليم تقلل فجوة المهارات بين الخريج وسوق العمل، وتضمن أن البرامج التدريبية تعكس الاحتياجات الحقيقية للصناعة. رجل الأعمال هنا ليس متبرعًا، بل شريكًا في بناء الإنسان، ومستثمرًا في جودة المنتج قبل الاستثمار في الماكينات. كما أن هذه المشاركة تخلق استقرارًا اجتماعيًا، وتقلل من فرص التطرف والانحراف، خاصة بين الشباب.
وتزداد أهمية هذا الدور عند الحديث عن ذوي الاحتياجات الخاصة. فتمكينهم من اكتساب مهارات مهنية مناسبة لا يمنحهم فرصة عمل فحسب، بل يمنحهم كرامة ودورًا حقيقيًا في المجتمع، ويحولهم إلى عناصر منتجة تساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومع التحول الرقمي والصناعة الحديثة، لم تعد الدولة القوية هي التي تمتلك الموارد فقط، بل التي تمتلك المعرفة والتكنولوجيا. فالدولة الذكية، كما نراها في مشروعات قومية كالعاصمة الإدارية الجديدة، تعتمد على الحوكمة الرقمية والإدارة الذكية، ما يرفع كفاءة الأداء ويقلل الهدر والفساد، ويعزز القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
في النهاية، نحن أمام مرحلة مفصلية في تاريخ العالم. الحروب لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت اقتصادية وتكنولوجية ومعلوماتية. وفي هذا الواقع، يصبح التعليم – خاصة التعليم الفني والصناعي والتكنولوجي – خط الدفاع الأول عن الدولة. تطوير هذا التعليم، وربطه بسوق العمل، وتغيير صورته النمطية، ليس خيارًا، بل ضرورة حتمية لتحقيق رؤية مصر 2030، وبناء اقتصاد قوي قادر على المنافسة، وحماية مستقبل الأجيال القادمة.
فالتعليم الفني الصناعي ليس مجرد تعليم… إنه استثمار في الإنسان، وبناء للدولة، وضمان للمستقبل.




