الموسيقى النوبية: نبض “الخماسي” الذي حفظ التراث من الاندثار

بقلم: حمدى حسن عبدالسيد
لا يمكن الحديث عن الهوية المصرية دون التوقف طويلًا أمام “الموسيقى النوبية”؛ ذلك الفن الذي ظل صامدًا كأهرامات النوبة، محافظًا على نقائه الفني وأصالته الأفريقية رغم تعاقب العصور. فهي ليست مجرد أنغام، بل هي “السجل الأمين” الذي حفظ اللغة والتاريخ الوجداني لأهل الجنوب من الذوبان والضياع.
السلم الخماسي.. سر الخصوصية
ما يميز الموسيقى النوبية تقنيًا هو اعتمادها على “السلم الخماسي الطبيعي”، وهو نظام نغمي يتألف من 5 أصوات تختلف عن السلم السباعي التقليدي (الكبير والصغير) بحذف الدرجتين الرابعة والسابعة. هذا “الفراغ” النغمي هو ما يمنح الموسيقى النوبية صبغة الشجن والبهجة الفطرية في آن واحد، ويجعلها لغة عالمية تُفهم بالقلب قبل الأذن.
الفن كفعل مشاركة.. لا مهنة
تتجلى عبقرية الإنسان النوبي في كونه “فنانًا بطبعه”؛ فالغناء في النوبة فعل جماعي مرتبط بكافة تفاصيل الحياة. ومن المفارقات العجيبة في الشخصية النوبية القديمة أن الفرد قد يقطع المسافات الطويلة والنجوع النائية للمشاركة في حفل عرس لم يُدعى إليه حبًا في الطرب، ومع ذلك، ظل النوبي قديمًا يستنكف احتراف الغناء كمهنة أو مصدر للرزق، مفضلًا أن يظل الغناء حالة وجدانية خالصة وتعبيرًا عن الروح الجماعية.
قوالب الغناء: بين الارتجال والمرح الجماعي
تتعدد أشكال القالب الغنائي في النوبة، وأبرزها:
- الأغاني ذات الإطار المفتوح: وهي ساحة لإبراز الموهبة والارتجال، حيث يتبارى المطربون في تقديم مقاطع غزلية مرتجلة، يستلهم فيها كل مطرب كلماته من سابقه في جو من المنافسة الفنية الراقية.
- الغناء الجماعي: وهو اللون الأكثر شيوعًا، ويمتاز بالجمل الموسيقية القصيرة والإيقاع السريع الذي يبث روح المرح وينشط الروح الجماعية، سواء في أوقات السمر أو أثناء العمل الشاق.
آلات وإيقاعات من طمي النيل
تعتمد الموسيقى النوبية على آلات فطرية مثل “الطنبور” و “الطار”، التي تعزف إيقاعات تعكس إيقاع الحياة النيلية البسيطة. ومن أشهر هذه الإيقاعات التي توارثتها الأجيال: (الكومباش، النجرشاد، الله ليه لي، وفيري).
رحلة التطوير.. من “باطا” إلى “الكينج”
عبر الأجيال، حمل فنانون كبار أمانة هذا التراث؛ فبرزت أسماء مثل عبد الله باطا، سيد جمال، سيد جاير، وصابر عسكر، بالإضافة إلى د. مصطفى عبد القادر، الذين وثقوا بصدق آلام وآمال النوبيين، خاصة في مرحلة التهجير بعد بناء السد العالي.
وفي العصر الحديث، انطلقت الموسيقى النوبية نحو العالمية بفضل رواد مثل حمزة علاء الدين وعلي كوبان، والمجدد العظيم أحمد منيب الذي وضع حجر الأساس للموسيقى النوبية المعاصرة. وصولًا إلى جيل خضر العطار وحسن جزولي، والنجم محمد منير الذي جعل من النغم النوبي لغة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية.
خاتمة: ستظل الموسيقى النوبية نهرًا لا ينضب من العاطفة والخيال، فهي ليست مجرد تراث للأجداد، بل هي طاقة حياة تتجدد مع كل نبضة “طار” وكل صوت “خماسي” يشدو بحب الأرض والنيل



