مصر

بعد انتهاء عيد الأم.. جبت إيه لمامتك؟ حكاية يوم عالمي لتكريم الحب والتضحية..

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي 

يأتي عيد الأم كل عام ليحمل معه واحدة من أصدق وأعمق المناسبات الإنسانية، حيث تتجدد مشاعر الحب والامتنان تجاه الأم، تلك التي تمثل مصدر الحنان الأول في حياة الإنسان، وركيزة الأسرة والمجتمع. فالأم ليست مجرد شخص في حياتنا، بل هي قصة عطاء لا تنتهي، وسند دائم لا يتغير مهما تبدلت الظروف. ومع انتهاء هذا اليوم، يتردد السؤال الذي يبدو بسيطًا في ظاهره لكنه عميق في معناه: “جبت إيه لمامتك؟” وهو سؤال يعكس مدى تقديرنا الحقيقي لها، ليس فقط بالهدايا، ولكن بالمشاعر الصادقة.

يرجع الاحتفال بعيد الأم إلى جذور تاريخية تمتد لسنوات طويلة، حيث ظهرت الفكرة في شكلها الحديث في الولايات المتحدة الأمريكية، حين دعت الناشطة الأمريكية آنا جارفيس إلى تخصيص يوم لتكريم الأمهات تقديرًا لتضحياتهن. وبالفعل، نجحت حملتها في أن يصبح عيد الأم مناسبة رسمية يُحتفل بها في العديد من دول العالم، وغالبًا ما يكون في شهر مارس أو مايو، وفقًا لكل دولة وتقاليدها.

أما في العالم العربي، فقد بدأ الاحتفال بعيد الأم بفضل الصحفيين التوأم علي أمين ومصطفى أمين، مؤسسي جريدة أخبار اليوم، حيث طرحا الفكرة في خمسينيات القرن الماضي بعد أن تأثرا بقصة إنسانية عن أم ضحت كثيرًا من أجل أبنائها ولم تجد التقدير الكافي. ومن هنا، اقترحا تخصيص يوم للاحتفال بالأم، ليكون 21 مارس من كل عام، وهو أول أيام فصل الربيع، في دلالة رمزية على التجدد والحياة والعطاء، وهي الصفات التي تجسدها الأم في حياتنا.

اختيار يوم 21 مارس لم يكن عشوائيًا، بل جاء محمّلًا بالمعاني، حيث يتزامن مع بداية الربيع، الفصل الذي تتفتح فيه الأزهار وتعود فيه الحياة للطبيعة بعد سكون الشتاء. وكأن هذا الاختيار يحمل رسالة واضحة مفادها أن الأم هي ربيع الحياة، وبها تزدهر النفوس وتنمو المشاعر. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا اليوم مناسبة سنوية ينتظرها الملايين في مصر والعالم العربي للاحتفال بالأمهات وتقديم الهدايا لهن، سواء كانت رمزية أو مادية.

ورغم بساطة الفكرة، فإن عيد الأم تحول مع مرور الوقت إلى مناسبة اجتماعية مهمة، تتجلى فيها أسمى معاني البر والوفاء. فالبعض يختار تقديم الهدايا، مثل الورود أو الملابس أو الأجهزة المنزلية، بينما يفضل آخرون التعبير عن حبهم بكلمات مؤثرة أو قضاء وقت مميز مع الأم. وفي النهاية، تبقى القيمة الحقيقية لهذا اليوم في المشاعر الصادقة التي يحملها الأبناء في قلوبهم.

لكن يبقى التساؤل الذي يطرحه الكثيرون كل عام: ما حكم الاحتفال بعيد الأم في الشرع؟ وهل هو جائز أم بدعة؟

اختلفت آراء العلماء في هذه المسألة، حيث يرى فريق من أهل العلم أن تخصيص يوم للاحتفال بالأم لا حرج فيه، طالما أنه لا يخالف تعاليم الدين، ويهدف إلى البر والإحسان، وهما من القيم التي حث عليها الإسلام بشدة. ويستند هذا الرأي إلى أن الإسلام لم يحدد يومًا معينًا لتكريم الأم، بل دعا إلى برها طوال العام، وبالتالي فإن تخصيص يوم للتذكير بفضلها لا يتعارض مع ذلك.

في المقابل، يرى فريق آخر من العلماء أن الاحتفال بعيد الأم بدعة مستحدثة، لأن الأعياد في الإسلام محددة، وهي عيد الفطر وعيد الأضحى، وأنه لا يجوز إضافة أعياد أخرى. ومع ذلك، فإن هذا الرأي لا يمنع من التعبير عن الحب والتقدير للأم في أي وقت، بل يؤكد على أن ذلك يجب أن يكون سلوكًا دائمًا وليس مرتبطًا بيوم واحد فقط.

وبين هذا وذاك، يبقى الأمر في النهاية مرتبطًا بالنية وطريقة الاحتفال، فالإسلام يدعو إلى بر الوالدين والإحسان إليهما في كل وقت، وليس في مناسبة واحدة فقط. وقد وردت العديد من النصوص التي تؤكد مكانة الأم، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئل عن أحق الناس بحسن الصحبة فقال: “أمك”، وكررها ثلاث مرات، في إشارة واضحة إلى عظم فضلها.

ومع انتهاء عيد الأم، قد يظن البعض أن المناسبة قد انتهت، لكن الحقيقة أن تكريم الأم لا يجب أن يتوقف عند يوم واحد. فالأم لا تنتظر هدية بقدر ما تنتظر كلمة طيبة، أو لفتة حنان، أو اهتمام صادق. وربما يكون السؤال الأهم ليس “جبت إيه لمامتك؟”، بل “عملت إيه عشان تفرحها؟”.

في النهاية، يظل عيد الأم مناسبة جميلة تذكرنا بواجبنا تجاه من أعطتنا الكثير دون مقابل. فهو ليس مجرد يوم في التقويم، بل فرصة لإعادة النظر في علاقتنا بأمهاتنا، وتجديد العهد على محبتهم وبرهم. فالأم هي الحكاية التي لا تنتهي، والنعمة التي لا تُقدّر بثمن، وكل ما نقدمه لها، مهما كان، يظل قليلًا أمام ما قدمته لنا طوال حياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى