جمعية الصداقة المصرية-الصينية تسلط الضوء على الجذور التاريخية للعلاقات العربية-الصينية قبيل قمة بكين


أحمد محمود
نظّمت جمعية الصداقة المصرية-الصينية ندوة فكرية رفيعة المستوى بعنوان «تاريخ العلاقات العربية-الصينية حتى بدايات العصر الحديث… مصر والصين نموذجًا» ، في إطار الاهتمام المتنامي بإعادة قراءة العمق التاريخي والحضاري للعلاقات العربية-الصينية، وبالتزامن مع الاستعدادات لانعقاد قمة العلاقات العربية-الصينية المرتقبة في العاصمة الصينية بكين خلال الفترة المقبلة.
و أكّد السفير علي الحفني، خلال كلمته الافتتاحية الأهمية البالغة لانعقاد هذه الندوة في هذا التوقيت الدقيق، مشيرًا إلى أن العلاقات بين الصين والعالم العربي ليست وليدة اللحظة، بل تمتد بجذورها إلى عمق التاريخ، وتشمل مختلف مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والإنساني.

وأوضح السفير الحفني أن العلاقات المصرية-الصينية تمثل نموذجًا متقدمًا لهذا التعاون التاريخي الممتد، بما تحمله من تراكم حضاري وثقافي وسياسي يعكس قدرة البلدين على بناء شراكات استراتيجية راسخة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مؤكدًا أن هذا الإرث التاريخي يشكّل قاعدة صلبة لتعزيز التعاون المستقبلي في ظل التحولات الدولية الراهنة.
واقيمت الندوة بمقر جمعية الصداقة المصرية الصينية وشهدت حضورًا نوعيًا لنخبة من الدبلوماسيين والخبراء في مجالات العلاقات الصينية والصحافة والتاريخ وفي مقدمتهم السفير عمر ابو عيش والسفير عبد الفتاح عز الدين والدكتور صادق عبد العال والدكتور الصاوي احمد الصاوي و تولت تنسيقها الصحفية سارة عبد العزيز الأشرفي وإدارتها الصحفية هدي الساعاتي وحضرها الدكتور محمد ثروت وعدد من كبار المتخصصين .
من جانبها، قدّمت الأستاذة الدكتورة سحر عبد العزيز سالم، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، محاضرة علمية معمّقة أكدت خلالها قوة ومتانة العلاقات المصرية-الصينية عبر العصور، مشددة على أن هذه العلاقات متنوعة ومتطورة في سياقها التاريخي والحضاري الممتد.
وأوضحت الدكتورة سحر سالم أن المحاضرة انقسمت إلى محورين رئيسيين؛ تناول المحور الأول العلاقات العربية-الصينية، حيث استعرضت أهمية طريقي الحرير البري والبحري في تبادل السلع، وما صاحب ذلك من انتقال للأفكار والثقافات والعادات والتقاليد والفنون، فضلًا عن حركة انتقال البشر في العصور القديمة والوسطى، وهو ما أسهم في الانصهار الحضاري وامتزاج الثقافات والدماء.
وأشارت إلى أن العراق وسوريا ومصر والجزيرة العربية كانت من أهم الأقاليم العربية التي لعبت دورًا محوريًا في التبادل التجاري والحضاري مع الصين، لافتة إلى أن علاقة الصين بالجزيرة العربية، ولا سيما عُمان واليمن، كانت من أعمق وأقدم العلاقات، كما عرفت مكة المكرمة الصين منذ ما قبل الإسلام واستمر هذا التواصل خلال العصور الوسطى، خاصة في زمن الرحلات البحرية الشهيرة للبحار الصيني تشنغ خه.
كما تناولت المحاضرة ملامح التبادل الحضاري في مجالات الفنون والعمارة والطب واللغة واللهجات المحلية والأمثال الشعبية، وظهور حركة الاستعراب في الصين منذ ما قبل الإسلام، والتي شهدت ازدهارًا ملحوظًا في عصور أسر تانغ ويوان ومينغ، وبلغت ذروتها في العصر الحديث، فضلًا عن التطرق إلى بناء المساجد في الصين بوصفه شاهدًا ماديًا على هذا التفاعل الحضاري. وأكدت أن المادة العلمية المقدمة موثقة من السجلات الصينية والمصادر الإسلامية، وفي مقدمتها كتب الرحلات.
أما المحور الثاني، فقد خُصص بالكامل لـالعلاقات المصرية-الصينية، حيث استعرضت الدكتورة سحر سالم حضور مصر في المصادر الصينية والاكتشافات الأثرية منذ العصور القديمة، مرورًا بالعصور الوسطى الإسلامية، ولا سيما خلال عصر الدولة الطولونية، مع الإشارة إلى وجود العنصر الصيني في مصر آنذاك.
وتطرقت إلى التأثيرات الفنية الصينية على الفن المصري، خاصة في مجال الخزف، واستمرار هذا التأثير خلال العصرين الفاطمي والأيوبي، وصولًا إلى ذروة التفاعل في العصر المملوكي، حيث كشفت عن انخراط بعض العناصر الصينية في الجيش المملوكي، ومنهم الأمير أرغون شاه الناصري، كما ورد في المصادر المملوكية.
كما تناولت التأثيرات الفنية المتبادلة، مشيرة إلى تأثير الفن المصري، على الفن الصيني في العصر المملوكي، فضلًا عن دور أثرياء التجار المصريين المقيمين في الصين في القيام بأعمال إصلاحية وخيرية داخل المدن الصينية، وفقًا لما ورد في بعض كتب الرحلات التاريخية.
واختتمت الدكتورة سحر سالم محاضرتها بعرض بصري عبر تقنية «باور بوينت» بعنوان «الصين بعيون مصرية»، قدّمت من خلاله قراءة إنسانية وتاريخية معاصرة للصين من واقع تجربتها الشخصية كمؤرخة خلال زيارتها لعدد من المدن الصينية في صيف العام الماضي، مؤكدة أن القواسم التاريخية والحضارية المشتركة بين مصر والصين لا تزال تشكّل جسرًا حيًا للتواصل والتفاهم بين الشعبين حتى الوقت الحاضر.




