جولة اقتصادية في تونس من مفاوضات الشرق والغرب

استمراراً لما انفردت به منصة البوسطة الإخبارية عن مصادر مطلعة بخصوص لقاء تونس المرتقب داخل مقر السفارة الامريكية – ( أو فندق فور سيزون في قمرت) – بين ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وممثلين عن القيادة العامة؛ أكدت مصادر اضافية للبوسطة أن الجولة الراهنة لن تركز على شكل السلطة التنفيذية المقبلة بقدر ما سينحصر في الشق الاقتصادي، وخصوصا ملف الميزانية وتوزيع الموارد.
وبالتالي فالمطروح هناك ليس فقط تهدئة خلاف سياسي، بل ستكون عمليا محاولة ترتيب قواعد القوة المادية التي ستحدد من يملك القدرة على الصمود والتوسع داخل أي مرحلة مقبلة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم وجهتي النظر المتعارضتين حول الاجتماع:
الوجهة الاولى تقول ان التفاهم على الموارد قد يفتح الطريق لتسوية سياسية أوسع، لأن ليبيا عانت مراراً من انفجار الصراع حين تحول الخلاف على الانفاق والاعتمادات والميزانية الى ازمة سيادية شاملة، كما ظهر بوضوح خلال نزاع المصرف المركزي في 2024 وما يرافق المخاوف من اضطراب في اسعار الطاقة عالميا وتدهور في التوازنات الاقتصادية.
وكما شدد صندوق النقد الدولي لاحقا على الحاجة إلى أولويات إنفاق متفق عليها وميزانية موحدة لتفادي الادارة الفوضوية للموارد العامة.
لكن الوجهة الثانية: وهي الاكثر حذرا، ترى أن تقاسم الموارد بصورة ميكانيكية لا ينتج بالضرورة حلاً، بل قد يرسخ قواعد سلطة اعمق من السياسة نفسها.
فالمال العام في ليبيا ليس مجرد تفصيل جانبي، بل هو الرافعة الحقيقية لشبكات النفوذ، والقدرة على تمويل الولاءات، وضبط المؤسسات، وشراء الوقت.
وعندما يجري الاتفاق على توزيع الموارد قبل حسم قواعد الشرعية والرقابة والمساءلة، تصبح السياسة واجهة شكلية لتوازن مالي صلب. وهنا لا يكون الاقتصاد مدخلا للحل، بل يتحول الى بنية فوقية جديدة للانقسام، اكثر استقرارا من اللغة السياسية نفسها.
ولهذا يبدو اللقاء، اذا صح هذا المسار، اقرب الى محاولة امريكية لاختبار تهدئة الصراع عبر بوابة الاقتصاد، في لحظة ما تزال فيها الامم المتحدة تدفع علنا نحو عملية اشمل تقوم على مسارات مترابطة: سياسية، واقتصادية، وامنية، وتؤكد على شمولية الحل وعدم اختزاله في تفاهمات ضيقة بين مراكز القوة.
كما ان ولاية البعثة جددت حتى 31 اكتوبر 2026، ما يعني أن المظلة الدولية الرسمية ما تزال تفضل منطق العملية المتكاملة لا المقايضات الجزئية وحدها.
غير ان أخطر ما في اي اتفاق محتمل لا يتعلق فقط بمضمونه الاقتصادي، بل باثره السياسي خاصة داخل المعسكر الشرقي نفسه.
فاذا جرى التفاهم عبر شخصيات محسوبة على الخط المتلائم مع صدام حفتر، فان الاتفاق لن يعيد فقط توزيع الموارد بين شرق وغرب، بل قد يعيد أيضا فرز الشرق من الداخل، عبر تهميش او اقصاء اطراف شرقية لا تنسجم مع هذا الخط.
عندها لن يكون التفاهم مجرد ترتيب مالي، بل اداة لاعادة هندسة موازين القوى داخل المعسكرات ذاتها.
في الواقع السؤال عن لقاء تونس ليس فقط عما اذا كان سيخفف التوتر، بل عما اذا كان سيبني قاعدة لتسوية قابلة للحياة؟، ام سيحول الميزانية نفسها الى دستور غير مكتوب للنفوذ القادم؟.




