حمدى حسن عبدالسيد يكتب : في ذكرى ميلاد “عراب السلم الخماسي”.. كيف أنقذ أحمد منيب التراث النوبي من طي النسيان؟

حل ذكرى ميلاد الفنان القدير الراحل أحمد منيب (4 يناير)، الرجل الذي لم يكن مجرد ملحن أو مطرب عابر، بل كان “سفيراً فوق العادة” لحضارة النوبة العريقة. في مثل هذا اليوم، نستعيد سيرة “المنيب” الذي استطاع بعوده وبساطته أن يكسر حاجز العزلة الجغرافية، وينقل أنغام الجنوب من ضفاف النيل في أسوان إلى صخب الميادين في القاهرة والعالم.
من “التهجير” إلى “الخلود”
عاش أحمد منيب تجربة التهجير القاسية، وهو ما ولّد لديه شعوراً بالمسؤولية تجاه “الهوية”. كان يرى في الموسيقى النوبية أمانة يجب الحفاظ عليها قبل أن تذوب في زحام المدن الكبرى. ومن هنا، انطلق مشروع منيب الفني الذي ارتكز على “الأصالة المتجددة”.
لم يكتفِ منيب بتقديم الأغنية النوبية بشكلها التقليدي، بل قام بعملية “هندسة موسيقية” للسلم الخماسي، ليجعله مستساغاً للأذن في الشمال والشرق، دون أن يفقد صبغته الأفريقية العميقة.
الثنائي الذي غيّر وجه الأغنية المصرية
لا يمكن لذكرى ميلاد منيب أن تمر دون ذكر رحلته مع الكينج محمد منير. لقد شكّل منيب مع منير والشاعرسيد حجاب وعبد الرحيم منصور “مربعاً ذهبياً” أعاد صياغة الوجدان المصري في السبعينيات والثمانينيات.
من خلال ألحان مثل “اتكلمي”، “شبابيك”، و*”الليلة يا سمرا”*، استطاع منيب أن يثبت أن التراث النوبي ليس “فلكلوراً محلياً” بل هو مكون أصيل وعبقري في هوية الموسيقى المصرية، قادر على المنافسة العالمية.
مدرسة “السهل الممتنع”
يؤكد النقاد الموسيقيون أن عبقرية أحمد منيب تكمن في “البساطة”. كانت ألحانه تخلو من التعقيد المفتعل، لكنها محملة بشجن النيل ودفء الشمس. استطاع بمفرده أن يقدم أكثر من 85 لحناً لمنير وحده، بخلاف أعماله الشخصية التي أداها بصوته العذب المبحوح، والتي أصبحت الآن مرجعاً لكل باحث في أصول الموسيقى الخماسية.
الحفاظ على اللغة والتاريخ
لم يكن دور منيب موسيقياً فحسب، بل كان دوراً توثيقياً. ففي أغانيه، حافظ على مفردات من اللغة النوبية، ونقل صوراً حية من الحياة اليومية، والعادات، والتقاليد، مما جعل أغانيه بمثابة “أرشيف حي” للحياة في النوبة القديمة والجديدة.




