
:
د. مي مصطفى عامر: التحكم في الوقت ودرجة الحرارة أساس الوقاية من التسمم الغذائي خلال رمضان
كتب : أحمد محمود
أكدت الدكتورة مي مصطفى عامر، أستاذ مساعد سموم وملوثات الغذاء بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث، أن شهر رمضان يشهد تغيراً واضحاً في أنماط استهلاك الغذاء، حيث تنتقل الوجبات من توزيعها المعتاد على مدار اليوم إلى استهلاك مكثف خلال فترة زمنية محدودة بين الإفطار والسحور، وهو ما يؤدي إلى زيادة كميات الطعام المُعد يومياً ويجعل ممارسات التخزين وإعادة استخدام الطعام جزءاً أساسياً من الروتين المنزلي.
وأوضحت أن الأجواء الاجتماعية والروحانية التي تميز المائدة الرمضانية قد تخفي بعض المخاطر الصحية غير المرئية إذا لم يتم التعامل مع الطعام وفق أسس علمية سليمة، مشيرة إلى أن خطر التلوث الغذائي غالباً لا يرتبط بنوع الطعام بقدر ما يرتبط بطريقة تحضيره وتخزينه والتعامل معه بعد الطهي.
وأضافت أن التحكم في عاملين رئيسيين، هما الوقت ودرجة الحرارة، يمثل حجر الأساس للوقاية من التلوث الميكروبي. فمعظم مسببات الأمراض المنقولة بالغذاء تنمو بسرعة في نطاق حراري يتراوح بين 5 و60 درجة مئوية، وهي المنطقة المعروفة علمياً باسم “منطقة الخطر الحراري”، حيث تتكاثر البكتيريا بسرعة كبيرة.
وأشارت إلى أن من الأخطاء الشائعة خلال شهر رمضان ترك الطعام المطهو على المائدة لفترات طويلة بعد الإفطار، أو حفظه داخل الثلاجة في أوعية كبيرة دون تبريد سريع، وهو ما يسمح ببقاء الطعام في درجات حرارة دافئة تساعد على نمو ميكروبات مسببة للتسمم الغذائي مثل Clostridium perfringens و Bacillus cereus.
وشددت على ضرورة تبريد الطعام خلال ساعتين من الطهي، أو خلال ساعة واحدة في الأجواء الحارة، مع تقسيم الكميات الكبيرة إلى أوعية صغيرة لتسريع عملية التبريد. كما يجب الحفاظ على درجة حرارة الثلاجة عند 4 درجات مئوية أو أقل، والمجمّد (الفريزر) عند -18 درجة مئوية، مؤكدة أن إعادة تسخين الطعام يجب أن تتم جيداً حتى تصل درجة حرارته الداخلية إلى 74 درجة مئوية على الأقل مع التقليب لضمان توزيع الحرارة.
ولفتت إلى أن بعض أنواع البكتيريا مثل Staphylococcus aureus و Bacillus cereus قد تنتج سموماً مقاومة للحرارة، وهو ما يعني أن إعادة التسخين لا تقضي عليها بالكامل، الأمر الذي يجعل التبريد السريع والتخزين السليم أكثر أهمية من الاعتماد على التسخين كحل لاحق.
وفيما يتعلق بالمشروبات الرمضانية التقليدية مثل التمر هندي والخروب وقمر الدين، أوضحت أنها تحتوي على نسب مرتفعة من الماء والسكريات، مما يجعلها بيئة مناسبة لنمو البكتيريا والخمائر إذا تُركت في درجة حرارة الغرفة لفترات طويلة، لذلك يُنصح باستخدام مياه صالحة للشرب، والتبريد فوراً بعد التحضير، واستهلاك هذه المشروبات خلال 24 إلى 48 ساعة كحد أقصى.
كما حذرت من مخاطر السموم الفطرية في بعض الأغذية الشائعة خلال رمضان مثل المكسرات والتمور والحبوب، موضحة أن هذه السموم تنتجها فطريات مثل Aspergillus و Penicillium و Fusarium عند توافر ظروف الرطوبة والحرارة غير المناسبة أثناء التخزين. وأشارت إلى أن الأفلاتوكسينات تعد من أخطر هذه السموم وأكثرها شيوعاً في المكسرات والفول السوداني والتوابل والتمور، وقد ترتبط بتأثيرات صحية مزمنة على الكبد عند التعرض لها لفترات طويلة.
وأضافت أن خطورة السموم الفطرية تكمن في أنها غير مرئية بالعين المجردة ومقاومة نسبياً للحرارة، لذلك لا يمكن التخلص منها بالغسل أو الطهي، مؤكدة أن الوقاية تعتمد أساساً على اختيار منتجات عالية الجودة من مصادر موثوقة، وعدم تخزينها لفترات طويلة، مع حفظ المكسرات والبذور في أوعية محكمة داخل أماكن جافة وباردة أو داخل الثلاجة عند الحاجة، والتخلص من أي منتجات يظهر عليها تغير في اللون أو الطعم أو الرائحة. كما يُفضل غسل التمور قبل تناولها مباشرة لإزالة الأتربة والملوثات السطحية.
وتطرقت إلى ما يُعرف بالتلوث المتبادل، وهو انتقال الميكروبات من اللحوم أو الدواجن النيئة إلى الأطعمة الجاهزة للأكل عبر الأدوات أو الأسطح أو الأيدي، خاصة مع زيادة وتيرة التحضير قبل الإفطار. ونصحت بالفصل التام بين الأغذية النيئة والمطهية، واستخدام أدوات تقطيع منفصلة، والحرص على غسل اليدين جيداً بالماء والصابون بعد التعامل مع اللحوم النيئة.
وأكدت أن هذه الاحتياطات تزداد أهمية في حالات التجمعات الرمضانية أو عند شراء الطعام الجاهز، حيث قد تبقى الأطعمة لفترات طويلة في درجات حرارة غير آمنة، مشددة على ضرورة بقاء الأطعمة الساخنة عند 60 درجة مئوية أو أكثر، والأطعمة الباردة عند 5 درجات مئوية أو أقل، مع تقليل مدة عرض الطعام قدر الإمكان.
وأشارت إلى أن طول ساعات الصيام يجعل الجسم أكثر حساسية لأي اضطراب هضمي أو عدوى غذائية، وقد يؤدي التسمم الغذائي إلى فقدان السوائل والإجهاد بصورة أسرع، لذلك يُنصح بالاعتدال في تناول الطعام وتقليل الأطعمة عالية الدهون، مع الحفاظ على الترطيب الكافي للجسم من خلال شرب 8 إلى 12 كوباً من الماء موزعة بين الإفطار والسحور، وتناول أطعمة غنية بالسوائل مثل الخيار، وتجنب الأطعمة المالحة والكافيين.
واختتمت الدكتورة مي مصطفى عامر تصريحاتها بالتأكيد على أن إدارة سلامة الغذاء في رمضان لا تتطلب إجراءات معقدة، بل تعتمد على وعي بسيط يقوم على ضبط الوقت ودرجة الحرارة، ومنع التلوث المتبادل، والتخزين السليم للأغذية الحساسة، والانتباه لمخاطر السموم الفطرية، مؤكدة أن المائدة الآمنة ليست رفاهية بل ضرورة لصيام صحي وطاقة متوازنة طوال الشهر الكريم.



