د حسام راضى يكتب : الضرائب في مصر: بين مطرقة الإصلاح وسندان التحولات العالمية

في زمن تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية الدولية، وتتشابك فيه الأزمات الجيوسياسية مع التحديات الداخلية، تقف السياسة الضريبية المصرية على أعتاب مرحلة جديدة. مرحلة تفرض عليها الموازنة بين ضرورات الإصلاح المالي التي يطلبها صندوق النقد الدولي، وبين متطلبات العدالة الاجتماعية التي تفرضها الظروف المعيشية للمواطنين، ناهيك عن الالتزامات الأخلاقية والدينية التي تشكل جزءاً أصيلاً من نسيج المجتمع.
الضريبة في الميزان الفقهي: حق المجتمع أم قرض جبري؟
حين نتأمل مفهوم الضريبة من منظور إسلامي، نجد أنفسنا أمام إشكالية تأصيلية مهمة. فالمال في الأصل مباح لصاحبه، ولا يجب فيه حق للغير سوى الزكاة بشروطها المعروفة. لكن الفقهاء لم يغلقوا الباب أمام احتياجات الدولة المتغيرة، فأجازوا أخذ الأموال من الناس إذا دعت الضرورة لذلك، وسمّوها “المكوس” أو “الوظائف” أو “الفرائض” حسب العصور.
المهم في الأمر أن الفقه الإسلامي وضع شروطاً لهذا الأخذ لا تختلف كثيراً عما ينادي به الاقتصاديون المعاصرون تحت مسمى “العدالة الضريبية”. فالضريبة يجب أن تكون بقدر الحاجة، وأن تجبى من غير تعسف، وأن تصرف في مصارفها الحقيقية. وليس أدل على ذلك من قاعدة “الخراج بالضمان” التي تعني أن من يتحمل التبعات المالية يستحق العائد، وهو ما يترجم اليوم بمبدأ أن من يدفع الضرائب من حقه أن يرى أثرها في الخدمات التي تقدمها الدولة.
هذه المعاني الإسلامية في العدالة والتوازن تبدو حاضرة بقوة في الخطاب الرسمي للدولة المصرية اليوم، حيث تعلن وزارة المالية مراراً أن مستهدفاتها من الإيرادات الجديدة ستتحقق “دون فرض أعباء إضافية على المواطنين”. وهي عبارة قد تبدو للبعض إنشائية، لكنها في جوهرها تعبير عن التزام أخلاقي بمراعاة الظروف المعيشية للمكلفين.
العالم من حولنا: اختبارات قاسية للاقتصاد المصري
لا يمكن فهم السياسات الضريبية المصرية بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي المضطرب. فمنذ عام 2022 ومصر تواجه سلسلة من الصدمات الخارجية التي لم تكن يوماً في حسبان واضعي الخطط الخمسية. الحرب في أوكرانيا قلبت موازين الطاقة والغلال، وما كادت مصر تستعد لالتقاط الأنفاس حتى اندلعت الحرب في غزة، ثم تلتها توترات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير في مارس 2026 الذي أعاد أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز المائة دولار للبرميل.
في خضم هذا كله، كان على الحكومة المصرية أن تتخذ قراراً صعباً في الأيام الأولى من مارس 2026، فرفعت أسعار الوقود المحلية بنسبة تتراوح بين 14 و17 في المائة. القرار لم يكن سهلاً، وهو يعكس ضغطاً حقيقياً على الموازنة العامة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. وقد صاحبه حزمة من إجراءات التقشف شملت خفض الإنفاق الحكومي غير الضروري وتأجيل بعض المشروعات.
تقارير المؤسسات الدولية المالية، مثل غولدمان ساكس، وصفت الوضع المصري بأنه “مكشوف ولكنه أكثر مرونة من ذي قبل”. والحقيقة أن هذه المرونة لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة تراكم احتياطي النقد الأجنبي الذي وصل إلى نحو 52.7 مليار دولار، ونتيجة لسياسة سعر الصرف المرن التي ساعدت في امتصاص جزء من الصدمات الخارجية.
ملامح الإصلاح: بين التبسيط والتوسع
منذ عام 2024، بدأت مصر في تنفيذ حزمة إصلاحات ضريبية طموحة، تستهدف رفع نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 12.3% في 2024-2025 إلى 14.4% في العام المالي الحالي، ثم إلى 15.2% بحلول 2029-2030. هذا الرقم الأخير يقترب من متوسط القارة الأفريقية البالغ 15.6%، وهو ما يعني أن مصر تسعى للوصول إلى مستويات نظيراتها من الدول الناشئة.
الملفت في هذه الإصلاحات أنها لم تبدأ بزيادة الأسعار أو فرض ضرائب جديدة، بل ركزت أولاً على تبسيط النظام وتوسيع القاعدة. ففي الحزمة الأولى، تم استهداف الاقتصاد غير الرسمي عبر نظام ضريبي مبسط للمشروعات الصغيرة التي يصل حجم أعمالها إلى عشرين مليون جنيه. وقد أسفر هذا التوجه عن نتائج ملموسة، حيث تم تسوية نزاعات ضريبية قديمة مع أكثر من 110 آلاف ممول، وتقديم أكثر من 450 ألف إقرار ضريبي جديد أو معدل. بعبارة أخرى، خرجت أموال كانت في الظل إلى دائرة النشاط الاقتصادي المشروع، وهو ما يتوافق مع المبدأ الإسلامي في تنمية المال وإخراجه من دائرة الكتمان.
أما الحزمة الثانية، التي طبقت في أواخر 2025 ومطلع 2026، فقد حملت فلسفة مختلفة تقوم على فكرة “الحوافز بدلاً من العقاب”. ولعل أبرز ما فيها هو إنشاء ما يعرف بـ”القائمة البيضاء” للملتزمين، وهم المكلفون الذين يسددون ضرائبهم بانتظام ويقدمون إقراراتهم في مواعيدها. هؤلاء يحصلون على ميزة تنافسية مهمة، وهي رد ضريبة القيمة المضافة المستحقة لهم في غضون أسبوع فقط، بدلاً من الانتظار أشهراً طويلة كما كان يحدث سابقاً.
كما تضمنت الحزمة الثانية إعفاءات مهمة للشركات القابضة من ضريبة الأرباح الرأسمالية على بيع أسهم الشركات التابعة غير المقيدة في البورصة، إلى جانب الانتقال في البورصة من نظام ضريبة الأرباح الرأسمالية إلى ضريبة الدمغة الأبسط في التحصيل. وهذه التيسيرات تهدف بوضوح إلى تنشيط سوق المال وجذب مزيد من الاستثمارات.
بين النظرية والتطبيق: تحديات على أرض الواقع
لكن الحديث عن الإصلاحات النظرية شيء، ورؤيتها وهي تطبق على أرض الواقع شيء آخر مختلف تماماً. فهناك تحديات حقيقية تواجه هذه السياسات، بعضها يتعلق بالتصميم نفسه، وبعضها الآخر يتعلق بالظروف المحيطة.
فمن ناحية، يشير اقتصاديون إلى ما يسمى “تأثير الجرف” في الأنظمة المبسطة للمشروعات الصغيرة. ببساطة، عندما يكون النظام المبسط مريحاً ومربحاً لأصحاب المشروعات الصغيرة، فإنهم قد يفضلون البقاء صغيرين عمداً، خوفاً من الانتقال إلى النظام الأعلى بمتطلباته الأكبر وأعبائه الثقيلة. وهذا يتعارض مع الهدف الأساسي للإصلاح، وهو توسيع المشروعات وتنميتها، وليس تثبيتها عند حد معين.
من ناحية أخرى، يبقى التحدي الأكبر في قدرة الإدارة الضريبية نفسها على تنفيذ هذه السياسات. فالحوافز مهما كانت جذابة، تظل مجرد حبر على ورق إذا لم تقترن بآليات تنفيذ فعالة. لا يزال المواطنون يشكون أحياناً من طول إجراءات الفحص، أو من غموض التعليمات، أو من تغير التفسيرات بين مأمورية وأخرى. وكل هذا يضعف الثقة بين الممول والإدارة، وهي الثقة التي تقوم عليها أي سياسة ضريبية ناجحة.
ثم هناك البعد الاجتماعي المؤلم. فرفع أسعار الوقود في مارس 2026، مهما كان مبرره اقتصادياً، يضرب بشكل غير مباشر الفئات الأكثر احتياجاً. ارتفاع أسعار النقل يعني ارتفاع أسعار السلع، وهذا يعني تآكل الدخل الحقيقي للفقراء الذين ينفقون نسبة أكبر من دخلهم على الضروريات. وقد حاولت الحكومة التخفيف من هذه الآثار بتمديد الدعم النقدي لمستفيدي “تكافل وكرامة” شهرين إضافيين، والتعهد برفع الحد الأدنى للأجور في العام المالي المقبل. لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً: هل هذه الإجراءات كافية لتعويض ارتفاع الأسعار؟
ولا ينبغي إغفال عامل آخر بالغ الأهمية، وهو استمرار اعتماد الاقتصاد المصري على التمويل الأجنبي الساخن، أي الأموال التي تدخل للاستثمار في أدوات الدين الحكومي ثم تخرج بسرعة عند أول بوادر أزمة. تشير تقديرات إلى خروج نحو سبعة مليارات دولار من هذه الأموال خلال الأسابيع الأخيرة فقط، مما يضغط على سعر الصرف ويؤثر سلباً على القيمة الحقيقية للإيرادات الضريبية والنفقات الحكومية.
نحو مستقبل أكثر عدالة وكفاءة
عند محاولة استشراف المستقبل، تبدو أمام السياسة الضريبية المصرية ثلاثة سيناريوهات محتملة حتى عام 2030.
السيناريو الأول، وهو التفاؤلي، يراهن على نجاح الحكومة في تحقيق مستهدف 15.2% من الناتج المحلي كإيرادات ضريبية، بفضل التحول الرقمي الكامل للإدارة الضريبية، وانضمام جزء كبير من الاقتصاد غير الرسمي إلى المنظومة الرسمية، واستقرار الأسعار العالمية نسبياً. في هذا السيناريو، يصبح لدينا نظام ضريبي تصاعدي عادل، يحصل فيه الأغنياء بنسبة أكبر من دخلهم، مع قاعدة عريضة من الملتزمين الذين يثقون في الإدارة الضريبية.
السيناريو الثاني، وهو الأقرب إلى الواقع، يتوقع تحقيق نسبة تتراوح بين 14 و14.5% بحلول 2030، مع استمرار بعض التحديات المتعلقة بالتهرب الضريبي والضغوط التضخمية، لكن مع تحسن ملحوظ في العلاقة بين الممولين والإدارة الضريبية، وتراكم للخبرات في التعامل مع الأزمات.
أما السيناريو الثالث، وهو التشاؤمي، فيفترض أن تؤدي الصدمات الخارجية المتتالية إلى تراجع النشاط الاقتصادي وزيادة التضخم، مما يصعب تحقيق المستهدفات المالية، وقد تضطر الحكومة في النهاية إلى فرض ضرائب جديدة مباشرة تثقل كاهل المواطنين وتؤدي إلى احتجاجات اجتماعية.
ولكي نتحرك نحو السيناريو الأول ونتجنب الثالث، تبدو بعض التوجهات ضرورية.
فمن الناحية الفقهية، يمكن إحياء مفهوم “الوقف” كمصدر تمويل بديل للضرائب في بعض المجالات، خاصة التعليم والصحة. كما يمكن تطوير مفهوم “الذمة المالية” ليشمل الالتزام الضريبي كدين واجب الأداء، ليس فقط قانوناً بل ديانة أيضاً. والأهم من ذلك، تعزيز الشفافية في الإنفاق الحكومي، فالمواطن حين يرى بعينيه أين تذهب أموال ضرائبه، يزداد التزامه ويقل تهربه. وهذا هو جوهر مبدأ “الأمانة” في المال العام.
ومن الناحية الاقتصادية، يبقى المبدأ الأساسي هو “توسيع القاعدة قبل زيادة المعدل”. وما زالت هناك فرصة كبيرة لضم مزيد من الاقتصاد غير الرسمي، وتطبيق ضرائب تصاعدية حقيقية على الثروات الكبيرة، مع حماية الفئات الأكثر تضرراً عبر شبكات أمان اجتماعي قوية، خاصة في أوقات الإصلاحات المؤلمة كرفع الدعم.
خاتمة
في النهاية، تظل السياسة الضريبية انعكاساً للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين. هي ليست مجرد أرقام في جداول الإيرادات والمصروفات، بل هي تعبير عن التزامات متبادلة: المواطن يدفع لأن الدولة توفر له الخدمات، والدولة تنفق لأن المواطنين يثقون في أنها ستحسن الإنفاق.
ما تمر به مصر اليوم من تحديات اقتصادية عالمية، ومن إصلاحات داخلية، هو اختبار حقيقي لهذا العقد الاجتماعي. فإذا نجحت السياسات الضريبية في الجمع بين الكفاءة الاقتصادية (تحقيق المستهدفات المالية) والعدالة الاجتماعية (مراعاة محدودي الدخل) والثقة المجتمعية (الشفافية في التحصيل والإنفاق)، فإنها لا تكون قد اجتازت فقط اختبار صندوق النقد الدولي، بل بنت نموذجاً للنظام الضريبي العادل الذي يفي بمتطلبات المقاصد الشرعية، ويصمد أمام أصعب التحولات الاقتصادية العالمية.




