الرئيسيةمقالات الرأي

د . عبد الله الثقافى يكتب : جامعة مركز أزهر الهند .. من منارة صغيرة إلى صرح علمي عالمي

 

بقلم: عبد الله الثقافي البلنوري الهندي

عميد كلية أصول الدين بجامعة المركز

 

منذ خمسين عامًا، بزغ فجر “جامعة المركز” في سماء الهند حاملةً راية العلم والإصلاح، تحت رعاية فضيلة الشيخ أبي بكر أحمد -مفتي الديار الهندية حفظه الله- الذي كان نقطة الانطلاق المنهجية للثورة العلمية في الهند، ولا سيما في ولاية كيرلا.

كانت الأمة الإسلامية آنذاك تعاني عطشًا علميًا وجوعًا معرفيًا إلى منبر منهجي يقوم على العقيدة الصحيحة؛ فانبثقت الجامعة في بدايتها كليةً للشريعة ودارًا للأيتام، لا تضم سوى خمسة وعشرين طالبًا. لكن الرؤية الصادقة والعزيمة الراسخة لمؤسس هذا الصرح العلمي جعلت الجامعة تتطور يومًا بعد يوم، حتى تبلورت إلى ميادين علمية متعددة، وازدادت أعداد المتعطشين للعلم؛ ففكر المؤسس تفكيرًا منهجيًا شاملًا، وأنشأ كلياتٍ ومدارسَ ومساجدَ في مختلف الفنون داخل حرم الجامعة.

وامتلأت رحاب الجامعة بالمؤسسات المتنوعة، واضطرت الإدارة إلى فتح فروع جديدة في شتى ولايات الهند. وبفضل المحاولات الجادة والجهود المخلصة، وُلدت فروع علمية وخيرية كثيرة في مجالات متعددة، حتى غدت الجامعة مركزًا إشعاعيًا للعلم والمعرفة في شبه القارة الهندية.

وفي خضم هذا التوسع المبارك، نالت جامعة المركز معادلات علمية رفيعة من عدد من الجامعات العالمية، وفي مقدمتها “جامعة الأزهر الشريف” –أقدم وأعرق جامعة في العالم الإسلامي– التي طالما أنجبت للأمة أجيالًا من العلماء والفقهاء، وغرست فيهم روح الوسطية والاعتدال، ونشرت من مدارسها أنهارًا من العلم إلى آفاق الأرض.

وكان مؤسس جامعة المركز، فضيلة الشيخ أبي بكر، يتطلع منذ زمن بعيد إلى تحقيق هذه المعادلة، حتى شاء الله أن يزور الهند فضيلة العلامة عمر عبد الله كامل –رحمه الله– القادم من مكة المكرمة. وأثناء جولته في أنحاء الهند، قصد زيارة الشيخ أبي بكر أحمد وجامعته، فأعجب بما رأى من التمسك بالعقيدة الصحيحة والإقبال على العلم، فأعلن –من فوره– مساندته لجهود الجامعة، وسعى حثيثًا للحصول على المعادلة من جامعة الأزهر الشريف.

وبفضل جهوده المخلصة، حمل ملف الجامعة بنفسه إلى القاهرة، وقدّمه إلى إدارة الأزهر الشريف، وبعد دراسة دقيقة ومتابعة حثيثة، حصلت جامعة المركز على المعادلة الرسمية؛ لتصبح من الجامعات المعترف بها عالميًا. وفي أعقاب ذلك، أُسست كليات رائدة مثل:

كلية أصول الدين .مع شعبة التفسير والحديث.

وكلية الشريعة وكلية اللغة العربية 

كلية الدراسات الإسلامية مع شعبة علم الإدارة وعلم النفس.

كما تم تطبيق المناهج الأزهريّة في معظم البرامج التعليمية، مما أحدث نهضة علمية فريدة في مجالات الفقه والعقيدة والحديث، وتحول الطلبة من الأفق المحلي إلى الأفق الدولي. وبدأت التبادلات الأكاديمية بين جامعة المركز والأزهر الشريف، من خلال إرسال الأساتذة والطلاب للدراسات العليا والتدريب والدعوة. ثم شارك ممثلو الجامعة في المؤتمرات العالمية، وكان لكل مشاركة جسر جديد يربط بين العلم والعمل، وبين الشرق والغرب.

ومن الأجدر بالذكر أنه قد وُضِع حجر الأساس لهذه المشكاة العلمية المباركة في الثامن عشر من أبريل عام 1978م بمدينة “كاليكوت” بولاية كيرلا – الهند، بيدٍ مباركة من السيد محمد علوي المالكي من مكة المكرمة؛ استجابةً لحاجة الأمة. وسرعان ما التف الناس حولها دعمًا وتشجيعًا، فكانت تلك الخطوة نقطة تحول في تاريخ التعليم الإسلامي في جنوب الهند.

وامتد عطاؤها إلى مختلف الولايات الهندية، فأحدثت ثورة علمية وإنسانية بإنشاء المعاهد والكليات والمشاريع الخيرية، حتى أصبحت اليوم قلعة منيعة للمسلمين الهنود، تحفظ تراثهم وثقافتهم، وتدافع عن حقوقهم ومصالحهم. ولا يختلف اثنان على أن جامعة المركز قد حققت نموًا ملحوظًا في دعوة الأمة إلى التمسك بهدي القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى ﷺ، وسعت إلى بناء الإنسان علميًا وروحيًا وأخلاقيًا.

يدرس في جامعة المركز، بجميع مؤسساتها، نحو 95 ألف طالبٍ وطالبةٍ، وقد تخرّج من كلية الشريعة 13,603 طلاب، ومن معاهد تحفيظ القرآن 2,565 حافظًا. كما تمتد المشروعات الصحية والتربوية للجامعة في جميع الولايات. وتوسعت نشاطات الجامعة لتتحول إلى مدينة علمية متكاملة هي “مدينة المعارف”؛ التي تُعَدُّ من المشاريع التعليمية الرائدة التي أنشأها المركز بهدف جمع مؤسسات التعليم الديني والحديث تحت مظلة واحدة، لتكوين بيئة علمية متكاملة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. وهي تابعة إداريًّا وأكاديميًّا لجامعة “مركز الثقافة السُّنِّيَّة” برئاسة فضيلة الشيخ أبي بكر أحمد (مفتي الهند)، وتشرف عليها إدارات تربوية متخصِّصة.

أبرز أقسامها ومؤسساتها:

جامع الفتوح: ويحتوي على خمسة وعشرين ألف مُصلٍّ.

كلية الشريعة والقانون. كلية الحقوق. الكلية الطبية اليونانية.

مدرسة “ألف” العالمية. المدرسة التدريبية في مختلف المجالات.

كلية البنات. المعاهد الحديثة للعلوم والتقنية. المعاهد النسائية.

المدارس التابعة في مختلف ولايات الهند.

 

إنها تؤتي أُكلها كل حين، وقد تجاوزت حدود التعليم لتصبح مؤسسة إسلامية ضخمة ذات تأثير عالمي، حصلت على اعتراف دولي لمساهمتها في النهضة الإسلامية الحديثة عبر مشاريعها المتنوعة، ومنها:

دور الأيتام للبنين والبنات. مشروع كفالة الأطفال الأيتام والمساكين من كشمير. برنامج كفالة الأيتام الصغار في حجر أمهاتهم.

إضافة إلى أنشطة اجتماعية وتربوية وإغاثية متعددة.

واليوم، تقف جامعة مركز أزهر الهند شامخة، فريدة في نوعها، مثالًا للتكامل بين العلم والدعوة والإنسانية، وصرحًا تربويًا يسهم في بناء أجيالٍ مؤمنةٍ، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتُحيي رسالة الإسلام في رحاب العلم والعمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى