د . مريم بدران تكتب : بين الفهم والحكم: حقيقة الجريمة
المغرب .. بقلم : د . مريم بدران
الإجرام ليس فعلًا يُرى في لحظة، بل سؤال ممتد في عمق الإنسان: هل نحن أمام شر خالص، أم أمام إنسان انهار تحت ضغط لم نره؟
إن اختزال أي فعل مخالف للقانون في كلمة “مجرم” ليس سوى هروب مريح من التعقيد… لكنه هروب ينتج ظلما، لأن من لا يفهم، لا يمكنه أن يحكم بعدل.
منذ انبثاق علم الإجرام، سعى هذا العلم إلى فك شفرة الجريمة وفهم الإنسان وراء الفعل. يعتبر العالم الإيطالي سيزار لومبروزو مؤسس المدرسة الإيطالية لعلم الإجرام، حيث وضع أسس دراسة الجريمة بشكل علمي دقيق.
كما ساهم علماء مثل إنريكو فيري ورافاييل غاروفالو في تحليل العوامل الاجتماعية والنفسية التي تدفع الإنسان نحو الانحراف، ما جعل علم الإجرام يدمج بين البعد البيولوجي والاجتماعي والنفسي لدراسة السلوك الإجرامي.
الجريمة ليست مجرد انحراف أخلاقي، بل نتاج تفاعل دقيق بين الإنسان وبيئته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كل من انحرف اختار الانحراف طواعية، أم أن بعضهم دفع إليه دفعًا حتى كاد لا يرى طريقًا آخر؟
خذ من هذه الأمثلة لتدرك عمق المعنى: سائق يسير في طريقه، وفجأة يظهر شخص أمامه فيقع حادث غير مقصود. بالمقابل، سائق متهور يقود بسرعة جنونية فيصدم إنسانًا ويُودي بحياته. النتيجة واحدة… لكن هل نفس الحكم؟
أين تبدأ الجريمة؟ هل عند وقوع الفعل، أم عند لحظة فقدان السيطرة؟ هذا السائق قد يكون جاهلًا، متهورًا، مضغوطًا، أو لحظة اختل فيها توازنه النفسي. هنا نحن أمام إهمال قد يصل إلى الجسامة؟
لكن السؤال الأهم: هل الجهل والتهور يساويان القصد؟ وهل تُبنى العدالة على النتيجة فقط أم على النية أيضًا؟
ثم دعنا نذهب إلى مثال أكثر صدمة: شخص يعتدي على فتاة ويهدد حياتها، فتدافع عن نفسها فتقع مأساة مميتة. من المجرم هنا؟ من الضحية؟ أم أن السؤال نفسه يجب تغييره؟
اختزال هذه الحالة في كلمة “جريمة” دون النظر إلى “الدفاع عن النفس” هو خيانة لفكرة العدالة نفسها.
ومن هذه الأمثلة يتضح التعقيد: طفل ينحرف تحت ضغوط العنف الأسري فيسرق ليعيش، بينما آخر يختار السرقة طمعًا وسهولة، فتتشابه النتائج لكن تختلف الأسباب.
موظف يغلي غضبًا بعد سنوات من الظلم والتجاهل، فيهاجم رئيسه في لحظة انفجار.
شاب يقع ضحية ضغط جماعي، يستدرج إلى عالم آخر يسيطر على وعيه، فيرتكب جريمة دون أن يدرك تمامًا ما يفعل. امرأة تهرب من علاقة مسيئة فتواجه قاتلًا في طريقها فتدافع عن حياتها بطريقة تقلب كل المفاهيم.
ورجل يغرق في فخ الإدمان فيسرق أو يعتدي دون وعي كامل بما يفعل.
كل هذه الأحداث تشترك في الألم والضرر، لكنها مختلفة في الدوافع والظروف، ما يجعل الحكم عليها أكثر تعقيدًا من مجرد كلمة واحدة: “جريمة”.
نحن لا نقع في خطأ بسيط، بل في مطب فكري عميق: نرى الفعل، ونغلق العقول عن كل ما قبله. ننسى أن الإنسان ليس لحظة، بل مسار. ليس قرارًا واحدًا، بل سلسلة من الظروف والضغوط والانكسارات.
الجريمة ليست دائمًا شرًا مطلقًا… بل أحيانًا هي آخر لغة يتحدث بها إنسان لم يعد يجد لغة أخرى.
فهل المجرم يولد مجرمًا؟ أم يصنع؟ وإذا كان يصنع، فمن الصانع: العائلة أم المجتمع، أم الظروف، أم الاختيارات، أم كل ذلك معًا؟
الجريمة، في حقيقتها، ليست وحشًا يعيش في الظلام… بل مرآة تكشف ما نحاول تجاهله. صراع داخلي لم يفهم، ألم لم يُحتوَ، وواقع لم يُعالج. وإذا لم ندرك ذلك، فنحن لا نعالج الجريمة… بل نعيد إنتاجها بصور جديدة.
العدالة ليست رد فعل سريع، ولا حكمًا انفعاليًا، بل وعي عميق يوازن بين الحقيقة والإنصاف. لأن أسهل طريق هو الحكم… وأصعب طريق هو الفهم.
وفي النهاية، يبقى السؤال: هل نبحث عن “من نعاقب”، أم عن “لماذا حدث هذا أصلًا”؟
لأن مجتمعاً يكتفي بالإدانة، هو مجتمع يتقن إصدار الأحكام… لكنه يجهل معنى العدالة.



