الرئيسيةمقالات الرأي

د . هشام الحسينى يكتب : المنظومة الضريبية الجديدة في مصر.. توازن بين دعم المواطن وتعظيم موارد الدولة

 

تُعد الضرائب في أي دولة حديثة أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي، إذ تمثل المورد الرئيسي لتمويل الموازنة العامة وتوفير الموارد اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

وفي مصر، لم تعد الضرائب مجرد أداة تحصيل مالي فحسب، بل أصبحت جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الشفافية، ودعم النمو الاقتصادي.

خلال السنوات الأخيرة، وخاصة مع تحديثات المنظومة الضريبية في عام 2026، شهد النظام الضريبي المصري تحولات جوهرية، كان أبرزها الاعتماد المتزايد على التحول الرقمي وتطوير التشريعات بما يحقق التوازن بين زيادة الحصيلة الضريبية وتخفيف الأعباء عن محدودي ومتوسطي الدخل.

ويقوم النظام الضريبي في مصر على عدة أنواع رئيسية من الضرائب، في مقدمتها ضريبة الدخل على الأفراد والشركات. فقد اعتمدت الدولة نظام الشرائح التصاعدية للأفراد، بحيث يرتفع حد الإعفاء الكلي إلى 60 ألف جنيه سنويًا، في خطوة تستهدف حماية أصحاب الدخول المنخفضة. وتبدأ الشرائح الضريبية بعد ذلك تدريجيًا حتى تصل إلى 25% للدخول المرتفعة، وهو ما يعكس توجهًا نحو توزيع العبء الضريبي بصورة أكثر عدالة.

أما بالنسبة للشركات، فتبلغ الضريبة الأساسية على صافي الأرباح نحو 22.5%، وهي نسبة تسعى الدولة من خلالها إلى تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على موارد الخزانة العامة.

وتأتي ضريبة القيمة المضافة كأحد أهم مصادر الإيرادات الضريبية، حيث تُطبق بنسبة عامة قدرها 14% على معظم السلع والخدمات. ومع التعديلات الأخيرة، تم إخضاع بعض الأنشطة للسعر العام بدلًا من ضرائب الجدول، مع السماح بخصم المدخلات .

الأمر الذي يساهم في تحقيق قدر أكبر من الشفافية داخل المنظومة الضريبية. وفي الوقت نفسه، حافظت الدولة على إعفاء عدد من السلع والخدمات الأساسية مثل الأدوية والتعليم والرعاية الصحية والخبز والألبان، مراعاةً للأبعاد الاجتماعية.

ولا تقل الضرائب العقارية أهمية عن غيرها، إذ تشمل الضريبة المفروضة على الوحدات المبنية بنسبة 10% من القيمة الإيجارية السنوية بعد خصم مصاريف الصيانة، مع إعفاء المسكن الخاص للمواطن إذا كانت قيمته أقل من مليوني جنيه. كما تُفرض ضريبة التصرفات العقارية بنسبة 2.5% عند بيع العقارات أو الأراضي، وتُدفع مرة واحدة عند إتمام التصرف.

وفي موازاة ذلك، تبنت وزارة المالية حزمة من التسهيلات الضريبية تستهدف دعم الاقتصاد الرسمي وتشجيع المشروعات الصغيرة. فقد تم إطلاق نظام ضريبي مبسط للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها 20 مليون جنيه، بنسب ضريبية منخفضة تتراوح بين 0.4% و1.5%، بهدف جذب القطاع غير الرسمي إلى المنظومة الاقتصادية الرسمية.

كما يمثل التحول الرقمي أحد أهم ملامح الإصلاح الضريبي في مصر، من خلال تطبيق منظومة الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني، والتي أصبحت شرطًا أساسيًا للاعتداد بالمصروفات والتكاليف. ويهدف هذا التحول إلى الحد من التهرب الضريبي وتعزيز الشفافية، إضافة إلى تسهيل الإجراءات على الممولين.

وفي ظل التوسع الكبير في الاقتصاد الرقمي، بدأت الدولة كذلك في تنظيم تحصيل الضرائب من أنشطة التجارة الإلكترونية وصناع المحتوى عبر الإنترنت، وهو قطاع يتوقع أن يشهد نموًا كبيرًا في حجم الحصيلة خلال السنوات المقبلة.

وفي النهاية، يمكن القول إن نجاح أي منظومة ضريبية لا يقاس فقط بحجم الإيرادات التي تحققها، بل بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين حق الدولة في تحصيل الموارد وحق المواطن في نظام ضريبي عادل وواضح. ومصر اليوم تخطو خطوات جادة نحو بناء منظومة ضريبية حديثة تعتمد على الشفافية والتكنولوجيا، وتستهدف في المقام الأول دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة.

 

د. هشام الحسيني

مستشار مالي ومحاسب قانوني

موبايل: 01100044836

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى