رمضان في الوجدان المصري… مدخل إلى حكايات التراث الشعبي 2
مدفع الإفطار في الوجدان المصري… تاريخ يُدوّي وحكايات لا تغيب

كتب: حمدي حسن عبدالسيد
في لحظة الغروب من كل يوم رمضاني، يتوقف الزمن قليلًا في الشارع المصري انتظارًا لصوتٍ مميز… صوتٍ ارتبط بالفرح الجماعي وبداية تجمع الأسرة حول مائدة الإفطار. إنه مدفع الإفطار، الذي تحوّل عبر القرون من أداة عسكرية إلى أيقونة شعبية تسكن الوجدان المصري.
بداية الحكاية… بين التاريخ والرواية
تُرجع أشهر الروايات ظهور مدفع الإفطار إلى عصر السلطان المملوكي خوشقدم في القرن الخامس عشر، حين أُطلق مدفعٌ مصادفةً وقت غروب أول أيام رمضان، فظن الناس أن السلطان تعمّد ذلك لإعلامهم بموعد الإفطار. ولما استحسنوا الفكرة، أمر بتكرارها يوميًا طوال الشهر الكريم.
وتشير روايات أخرى إلى أن الفكرة تطورت لاحقًا في عهد محمد علي باشا، مع تحديث نظم المدفعية، لتصبح عادة منظمة تُطلق من أماكن مرتفعة ليسمعها أكبر عدد من السكان.
من القلعة إلى ذاكرة المدن
ارتبط المدفع تاريخيًا بإطلاقه من فوق قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، حيث كان صوته يتردد بين أحياء العاصمة القديمة. ومع اتساع العمران، أصبح لكل محافظة تقريبًا مدفعها الخاص، حفاظًا على هذا الطقس الرمضاني العريق.
ومع دخول الإذاعة، لم يغب المدفع، بل انتقل صوته عبر موجات الأثير، ليصل إلى القرى والنجوع، ويصبح جزءًا من المشهد اليومي الذي ينتظره الصائمون قبل الأذان بدقائق.
حكايات شعبية ونوادر لا تُنسى
في التراث الشعبي، لم يكن المدفع مجرد وسيلة لإعلان الغروب، بل بطلًا لحكايات طريفة تناقلها الناس.
كان الأطفال يقفون في الشوارع مرددين: «اضرب يا مدفع!» تعبيرًا عن شوقهم للإفطار، بينما يضع بعضهم أصابعه في أذنيه خوفًا من الدويّ المفاجئ.
ومن النوادر أن بعض الأهالي كانوا يثقون في توقيت المدفع أكثر من ثقتهم في ساعاتهم الخاصة، فإذا اختلف الوقت، صدّقوا المدفع قائلين: «هو عمره ما يغلط!».
بل إن البعض كان يستيقظ مفزوعًا على صوته، فيندفع إلى المائدة قبل الأذان، لتتحول اللحظة إلى موقف طريف داخل البيوت.
رمزية تتجاوز الصوت
لم يعد مدفع الإفطار مجرد إشارة زمنية، بل صار رمزًا للفرح الجماعي، وبداية لطقس يومي تتجدد فيه الروابط الأسرية. لحظة واحدة يدوّي فيها الصوت، فتتحول الشوارع إلى بيوت، والبيوت إلى موائد عامرة، والانتظار إلى ابتسامة.
وهكذا يظل مدفع الإفطار صفحة مضيئة في كتاب التراث الشعبي المصري؛ صوتًا يحمل عبق التاريخ، ويختصر في دويّه قرونًا من الحكايات، ليؤكد أن لرمضان في مصر نغمة خاصة لا تخطئها الأذن… ولا ينساها القلب.




