

أيمن عامر
يواصل الكاتب محمد بشير أحمد في الجزء الثاني من سلسلته الروائية «لعنة أبايزو» تفكيك العالم الخفي الذي بدأ في تشييده منذ الجزء الأول، غير أنه يذهب هذه المرة إلى أبعد من مجرد الاقتراب من الظلال؛ إذ يدخل إلى مركز العتمة ذاته، إلى صوته ومنطقه الداخلي، حيث لا يعود الشر قوة مبهمة تعمل في الخفاء، بل يتحوّل إلى كيان واعٍ يتكلم ويخطط ويعلن حربه الصريحة على الإنسان.
في هذا الجزء، تتجلى شخصية سرمد بوصفها أكثر من مجرد شيطان طاغٍ؛ إنها تجسيد لفكرة السلطة المطلقة حين تنفصل عن الأخلاق. فسرمد هو أمير قبيلة الشياطين السفليين، والقائد الأعلى لجيش مدينة الظلام، وصاحب الكلمة التي لا تُرد. يخشاه الجميع، لا لقوته فقط، بل لأنه لا يعرف عهدًا ولا ذمة، ولا يتردد في سحق أقرب أتباعه إن شعر بأن هيبته مهددة. في حضوره يتحول الخوف إلى نظام حكم كامل، لا مجرد انفعال عابر.
وتدور أحداث الرواية في فضاء قاتم؛ قلعة نارية في أعماق الأرض تتكثف فيها مشاعر الحقد المتراكم على بني الإنس. هذا المكان ليس مجرد خلفية للأحداث، بل مرآة نفسية لساكنيه: جدران مشبعة بالكراهية، ممرات تضيئها نيران تكشف الخراب أكثر مما تُدفئ، ومن قلب هذا المشهد ينطلق غضب سرمد الجامح، خاصة بعد مقتل عدد من الشياطين وفي مقدمتهم أبايزو، التي تمثل له رابط الدم والكرامة.
في «سرمد»، يتحول الثأر إلى عقيدة، والانتقام إلى مشروع وجودي. لا يهم إن تحالف البشر، أو استعانوا بالجن، أو احتموا بالقرآن؛ فسرمد يرى في كل ذلك تحديًا مباشرًا لسيادة عالمه. وهكذا يتشكل جوهر الصراع بين عالمين: عالم الشر المنظم الذي يقوده سرمد، وعالم الإنسان المتسلح بالإيمان. صراع لا يُطرح فيه سؤال القوة فقط، بل سؤال المعنى ذاته: أيهما ينهار أولًا… المعنى أم القوة؟
وتتجاوز الرواية الصورة النمطية عن الشياطين بوصفهم فوضويين بلا نظام؛ ففي مدينة الظلام جيش وتحالفات ومجلس ومستشارون، يتقدمهم «سمحج» اليد اليمنى لسرمد، الذي يجسد الخوف حين يتحول إلى طاعة عمياء. ومن خلال هذه البُنى، يكشف الكاتب كيف يمكن للشر أن يبني هياكل سلطة مرعبة تشبه الأنظمة البشرية التي شهدها التاريخ.
«سرمد» ليست رواية رعب بالمعنى التقليدي، بل عمل سردي وفكري يطوّر عالم «لعنة أبايزو» ويستخدم الرعب كأداة لطرح أسئلة عميقة حول الكراهية، والانتقام، وحدود القوة. إنها رواية تقول إن أخطر أنواع الشر ليس ذاك الذي يختبئ، بل ذلك الذي يُبرّر نفسه ويرى في الدمار حقًا مشروعًا.
ويؤكد الكاتب أن هدفه من هذا العمل ليس إخافة القارئ فحسب، بل نقله من موقع المتلقي المرتاب إلى موقع المتأمل، ليكتشف أن الظلام — مهما بدا طاغيًا — لا يتمدد إلا بقدر ما نسمح له نحن أن يفعل.





