سفير أوكرانيا يكتب : أربع سنوات من الحرب: السقوط النهائي لأسطورة «الشعبين الشقيقين» بين أوكرانيا وروسيا

بقلم ميكولا ناهورنى سفير أوكرانيا بمصر
في الرابع والعشرين من فبراير تمرّ أربع سنوات على بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. أربع سنوات من الألم والخسائر والدمار، لكنها في الوقت نفسه أربع سنوات كشفت الأقنعة وأسقطت الأوهام، وأظهرت الحقائق على حقيقتها. فإلى جانب انهيار أسطورة «ثاني أقوى جيش في العالم»، سقطت بصورة جلية لا لبس فيها الركيزة الأساسية للدعاية الروسية: مقولة «الشعبين الشقيقين» أو حتى «الشعب الواحد عمليًا».
إذ يفرض الواقع سؤالًا بسيطًا لكنه جوهريًا: هل يُفعل هذا بالإخوة؟
«شعب واحد» تحت وابل الصواريخ
استلهامًا لإرث ألمانيا النازية، حيث رُوّج لفكرة أن «كلما كانت الكذبة أكبر كان تصديقها أيسر»، دأبت الدعاية الروسية لعقود على تسويق الحرب الجارية بوصفها «حماية» و«تحريرًا» و«رعاية». ويبلغ الخطاب ذروة مفارقته حين يقترن بذريعة «حماية المناطق الناطقة بالروسية» في أوكرانيا، إذ إن المناطق الشرقية والجنوبية لأوكرانية كانت ولا تزال الهدف الرئيسي للهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، ومسرح العمليات العسكرية الأشد ضراوة.
من الصعب تصور أن تقوم بريطانيا أو إسبانيا أو المملكة العربية السعودية بغزو دول أخرى بذريعة «حماية» الناطقين بالإنجليزية أو الإسبانية أو العربية فيها.
مدنٌ تعايشت فيها لغات وثقافات متعددة على مدى أجيال، وكانت اللغة الروسية فيها حاضرة بحرية إلى جانب غيرها في الحياة اليومية وقطاع الأعمال والإعلام والفنون، تحوّلت اليوم إلى أطلال تذكّر بنهاية العالم. هناك سقط أكبر عدد من الضحايا المدنيين، ودُمّرت الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس والمسارح والمتاحف، واستُهدفت منشآت الطاقة والمياه، وأُلحقت أضرار جسيمة بالبيئة. مدن كاملة — ماريوبول، باخموت، سوليدار، مارينكا، تشاسيف يار، أفدييفكا، روبيجنيه وغيرها — مُحيت عمليًا من على وجه الأرض.
فإن كان هذا «حماية»، فكيف يكون التدمير؟ وإن كان هذا «أخوّة»، فماذا تكون العداوة؟ إن ما تشهده أوكرانيا اليوم ليس إلا تجسيدًا لمطامع روسية ذات نزعة إمبراطورية جديدة، لا تقف حدودها عند الدولة الأوكرانية أو حتى القارة الأوروبية. وحلب ما زالت شاهدة.
ليست صداقة بل محنة
حتى لو تجاوزنا وصف «الشقيق» واكتفينا بالحديث عن «شعوب صديقة»، فإن الحكمة الشعبية العربية حسمت الأمر منذ زمن: «الصديق وقت الضيق». أما في حالة العدوان المسلح الروسي على أوكرانيا، فالأصدق أن يقال: مع مثل هذا «الصديق» لا حاجة إلى أعداء.
وعلى النقيض، نرى عند الحدود الأخرى لأوكرانيا نموذجًا مختلفًا تمامًا. فالتجربة التاريخية للاتحاد الأوروبي أثبتت أنه بالإمكان — بل من المجدي — أن تعيش الدول ثمانين عامًا في سلام وازدهار، متجاوزة صراعات الماضي، ومؤسِّسة علاقاتها على الثقة المتبادلة. وقد تجسدت هذه الروح في موجات التضامن، سواء على مستوى الحكومات أو — والأهم — على مستوى المواطنين العاديين الذين فتحوا أبواب بيوتهم للاجئين الأوكرانيين في الأيام الأولى للحرب. ومن هنا جاء خيار أوكرانيا، بإجماع شعبي واسع، التوجّه نحو الاندماج الأوروبي بوصفه مسارها الاستراتيجي.
«العالم الروسي» في مواجهة الأخوّة الحقيقية
يحظى مفهوم «العالم الروسي» بمكانة محورية في تبرير الحرب. فخلف شعارات الدفاع عن اللغة والثقافة والدين تختبئ حقيقة أخرى: ليس مجرد السعي إلى السيطرة على الأراضي بالقوة، بل محاولة محو هوية الآخر.
في الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتًا، يُحظر استخدام اللغة الأوكرانية فورًا، وتُحرق الكتب، ويُعاد كتابة التاريخ، وتُستولى الرموز الثقافية والشخصيات التاريخية. كل ما هو أوكراني يُقصى ويُستبدل ويُدفع إلى النسيان. هذه السياسة القائمة على الاستيعاب القسري عُرفت في عهد الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي، لكنها اليوم — رغم عدسات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي — تتخذ طابعًا أكثر وضوحًا وحدة. إن «النهضة المشنوقة» — وهو الوصف الذي أُطلق على جيل كامل من المبدعين والمفكرين والعلماء ورجال الدين الأوكرانيين الذين قضى عليهم النظام الستاليني في ثلاثينيات القرن الماضي — ما زالت تتكرر بصيغ جديدة.
ومن أبلغ مظاهر المفارقة تصريحات مفوضة حقوق الطفل في روسيا، ماريا لفوفا-بيلوفا، في مقابلة علنية أعربت فيها عن «صعوبات» واجهتها في تغيير هوية وإعادة «تأهيل» فتى أوكراني اختُطف من ماريوبول وتبنّته، إذ ظل — بحسب قولها — يغني الأغاني الأوكرانية ويُظهر حبّه لوطنه ويتابع أخبار بلده الأم. ويُذكر أن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت مذكرة توقيف بحقها بتهمة الترحيل غير القانوني للأطفال من الأراضي الأوكرانية المحتلة إلى روسيا.
كما ترفض روسيا اعتراف أوكرانيا بحقها في كنيسة وطنية مستقلة، وتحرم الأوكرانيين من خصوصيتهم الدينية، رغم أن كييف كانت مهد المسيحية الأرثوذكسية في منطقتنا قبل ألف عام، ومنها انتشرت إلى الأراضي الروسية المعاصرة.
وفي وقت بات فيه العالم يعترف بثراء الهوية الأوكرانية وتنوعها الثقافي، يواصل مسؤولون وإعلاميون روس إنكار حق الأوكرانيين في هوية وطنية وثقافية وتاريخية مستقلة، مُسخّرين لذلك ميزانيات بمليارات الدولارات.
وفي المقابل، تقدم مصر نموذج دولة ترفض العدوان وتختار طريق السلام، وتبذل جهودًا دبلوماسية نشطة لتسوية النزاعات في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتتعامل مع شركائها الدوليين بروح من المسؤولية والاحترام. وقد جسّد الافتتاح الأخير للمتحف المصري الكبير سياسة ناجحة في الترويج للثقافة والتاريخ الوطنيين عبر الإقناع والانفتاح، لا عبر الفرض والإكراه، موجّهًا دعوة إلى العالم لاكتشاف عظمة التراث المصري.
إن أربع سنوات من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا تفوق في مدتها الحرب الألمانية–السوفيتية (1941–1945)، التي طالما استُحضرت ذكراها في الخطاب الروسي الرسمي لربط الشعب الأوكراني بذاكرة «المعاناة المشتركة». وكثيرًا ما تستعيد الرواية التاريخية والسينما الروسية مشاهد حصار لينينغراد في الحرب العالمية الثانية، لكن ذلك لم يمنع الكرملين من تعريض كييف ومدن أوكرانية أخرى لخطر إبادة حضرية وإبادة بالبرد، عبر الاستهداف المنهجي لمنشآت الطاقة والتدفئة في ظروف بلغت فيها درجات الحرارة عشرين درجة مئوية تحت الصفر، في محاولة عبثية لكسر إرادة شعب يتشبث بحريته واستقلاله.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن أسطورة «الشعب الواحد» ليست تعبيرًا عن أخوّة، بل ذريعة لتبرير العنف. فحسن النية لا يكون بالتباهي بصواريخ من طراز «أوريشنيك» ولا بالتهديد باستخدام السلاح النووي. والصداقة الحقيقية ليست إرهاب الأطفال الذين يقضون لياليهم في ملاجئ المترو، والوحدة التاريخية ليست ادعاء ملكية كل شيء — من الأراضي ومحاصيلها إلى وصفات الأطباق التقليدية وأسمائها.
وقبل أن تُلقّن الآخرين دروسًا في القيم العليا، يتعين على روسيا أن تلتزم بحسن الجوار وهو أبسط قواعد العلاقات بين الدول والشعوب: عن طريق الامتناع عن العدوان والتهديد، احترام خيارات الآخرين، والتحلي بالموثوقية وقابلية التنبؤ. فكما يقول المثل العربي: «اطلب الجار قبل الدار».
في هذه الذكرى، تتحدث أوكرانيا بلغة الحقيقة لا بلغة الكراهية: فالأخوّة والصداقة لا تُقاسان بالشعارات الرنانة، بل بالأفعال — بالدعم، والتضامن، والاحترام، والتفهم. وهذه الحقيقة بات يدركها العالم الواعي والحضاري بوضوح متزايد.




