عبدالحليم قنديل يكتب : مجالس “ترامب” العبثية
“أنا الدولة والدولة أنا”، عبارة رنانة اختلف المؤرخون القدامى والجدد على مدى صحة نسبتها حرفيًا للملك الفرنسي لويس الرابع عشر، لكن أحدًا من الأحياء لا يختلف على مغزى تذكرها اليوم، ليس فقط مع استمرار وجود ملكيات مطلقة، وجمهوريات تتحول من داخلها إلى ملكيات، حتى في جمهوريات عريقة كالولايات المتحدة، التي يحطم رئيسها المنتخب الحالي دونالد ترامب تقاليدها بالجملة، ليس فقط في بلاده بل عبر العالم.
يتصرف ترامب كأنه يقول: “أنا العالم والعالم أنا”، فيهزأ بقواعد القانون الدولي ونظام الأمم المتحدة، ويقرر انسحاب واشنطن من 66 هيئة أممية، ويعلن بوضوح أنه لا يكترث بشيء اسمه قانون دولي، وأن المعيار الحاكم عنده هو أخلاقه الشخصية (الراقية طبعًا!)، ويسعى لنظام دولي يخصه شخصيًا، يكون فيه هو الآمر الناهي على نحو “ملكي” مطلق.
وعلى طريقة ما يسميه “مجلس السلام العالمي”، يسعى ترامب لإحلاله بديلاً عن مجلس الأمن الدولي، على أن يقوم هو باختيار الأعضاء، وقد وجّه خطابات الدعوة إلى ستين حاكمًا حول العالم، ووضع ميثاقًا لمنظمته الخصوصية الفريدة، يضم إليه من يقبل دعوته (السامية)، ويجتمعون مرة واحدة أو أكثر كل عام للتصويت على حلول النزاعات والقضايا الدولية.
ويكون له وحده حق الموافقة وحق الاعتراض (الفيتو)، ويحتفظ بختم القرارات في جيبه أو درج مكتبه البيضاوي، وله وحده حق توزيع بطاقات العضوية وتحديد درجاتها؛ فمن يريد عضوية دائمة عليه أن يدفع اشتراكًا بمليار دولار، أما غير القادرين أو الممتنعين فهم أعضاء مؤقتون لثلاث سنوات، تُسقط عضويتهم بعدها، أي بالتزامن مع خروجه الشخصي من البيت الأبيض.
وتبدو القصة مفرطة في عبثيتها، وإن كانت تعكس ميل ترامب إلى الاستحواذ على مصائر العالم، وتنصيب نفسه رئيسًا لمجلس إدارة الدنيا، يخفض ويرفع، ويجعل من مطامعه معيارًا لما يسميه السلام الدولي، مدعيًا – كذبًا – أنه أوقف ثماني حروب كبرى دون أن يحصل على جائزة نوبل للسلام.
وقد اتهم دولة النرويج بحجب الجائزة عنه عمدًا، وربما يطرح على مجلس سلامه الشخصي في أول اجتماع أن يمنحه جائزة بديلة من عوائد المليارات التي يدفعها الأعضاء الدائمون، فالعقيدة الظاهرة لديه أن السلام تصنعه القوة الأمريكية وحدها، وأن أحدًا لا يملك منعه عن شيء يريده.
ومن فنزويلا وبترولها، إلى قاعدة باجرام في أفغانستان، إلى جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، وصولًا إلى تهديده العلني بمحو إيران عن وجه الأرض، تتوالى شهية الاستحواذ، ومن يعارض أو يتذمر لن يكون موجودًا، كما حدث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
إذ لم يبدِ ماكرون ارتياحًا لقبول دعوة مجلس ترامب العالمي، فجاء الرد فوريًا بفرض عقوبات جمركية قاسية على صادرات الخمور الفرنسية، إضافة إلى عقوبات أخرى على دول أوروبية امتعاضها واضح من قرار الاستحواذ على جرينلاند، دون أدنى اكتراث بكرامة حلفاء تاريخيين.
ومع طفح شهوات ترامب للاستيلاء على كل شيء، بدءًا من نصف الكرة الغربي وضم كندا والمكسيك، يبدو أنه لا يدرك أنه يهدر بفوائض نزق القوة الأمريكية كل ما تملكه بلاده، فقد اتجهت كندا شرقًا نحو الصين، وتفكر دول أوروبية وأمريكية لاتينية في الخيار نفسه.
وتسعى دول أوروبية كبرى للاحتذاء بتجربة كندا في الاتفاقات التجارية مع الصين، فيما لا يملك ترامب قدرة حقيقية على مواجهة الخصم الصيني، الذي صمد في الحروب التجارية، وكان المستفيد الأكبر من تمزيق العلاقات الأمريكية مع حلفائها التقليديين.
وقد تتسابق دول للانضمام إلى مجلس ترامب العالمي، اتقاءً لشروره أو استرضاءً لنزقه، ودفع بعضهم تريليونات الدولارات أو تعهدوا باستثمارات ضخمة في أمريكا، رغم الوساوس من تقلباته ومبالغته في قدرته على إعادة تشكيل العالم.
ويواصل بعضهم الغرق في الأوهام، مترقبين ضربة أمريكية لإيران، رغم أن تجارب سابقة، كحرب يونيو 2025، كشفت زيف الادعاءات، وأن النظام الإيراني لا يسقط بضربات جوية أو صاروخية، مع استعداد إيراني ودعم صيني وروسي واضح.
وتبقى القضية الأصلية في فلسطين، وغزة تحديدًا، حيث أُعلن عن مجلس السلام في سياق تطوراتها، دون أن يتحقق شيء فعلي لصالح غزة، سوى خفض نسبي للمستوى الناري لحرب الإبادة.
وبدا مجلس السلام قنطرة لعبور المرحلة الثانية من خطة ترامب لغزة، مع تشكيلات تكرّس الوصاية والانتداب، وتهميش الفلسطينيين، وحصر دور ما يسمى “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” في صلاحيات إدارية بلدية، دون انسحاب إسرائيلي أو أفق سياسي.
وهكذا نلف وندور في متاهة مفرغة من المجالس والهيئات، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
Kandel2002@hotmail.com




