في ذكرى العاشر من رمضان.. “الشفرة النوبية” السلاح الذي قهر آذان العدو وحطم أسطورة المخابرات
عبقرية "المساعد" أحمد إدريس: عندما يهزم التراث التكنولوجيا

بقلم: حمدى حسن عبدالسيد
بينما كانت المآذن ترفع آذان المغرب في العاشر من رمضان، معلنةً لحظة الإفطار، كانت هناك لغة غامضة تتردد عبر أجهزة اللاسلكي في غرف العمليات العسكرية المصرية. لم تكن عربية، ولا إنجليزية، ولا حتى كوداً رياضياً معقداً؛ بل كانت “اللغة النوبية”، السلاح السري الذي اختاره القدر ليكون حارس أسرار النصر العظيم.
عبقرية “المساعد” أحمد إدريس: عندما يهزم التراث التكنولوجيا
في قلب التخطيط لملحمة العبور، واجهت القيادة العامة للقوات المسلحة تحدياً هائلاً: كيف يمكن تأمين الاتصالات اللاسلكية من التنصت الإسرائيلي المتطور؟ هنا برزت عبقرية البطل النوبي أحمد إدريس، المساعد بسلاح الإشارة وابن قرية “توماس وعافية”.
تقدم إدريس بمقترح بدا بسيطاً لكنه كان “مستحيلاً” على الكسر: استخدام اللهجات النوبية (الفاديكا والكنزية) كشفرة تواصل. فباعتبارها لغة منطوقة غير مكتوبة آنذاك، كانت تفتقر إلى أي قواميس أو مراجع تمكن أجهزة المخابرات المعادية من تحليلها أو فهمها.
لقاء “الرئيس” و”الصول”: سرية حتى النخاع
لم يتردد الرئيس الراحل محمد أنور السادات في قبول الفكرة فور عرضها عليه. وفي سرية تامة، استدعى إدريس ووضعه تحت “التحفظ العسكري” لضمان عدم تسرب السر، وأمر بتجنيد نحو 70 مجنداً نوبياً تم توزيعهم على مراكز القيادة والوحدات الأمامية من القنطرة شرقاً وحتى السويس جنوباً.
مفردات النيل تقود دبابات العبور
في العاشر من رمضان، تحولت المفردات النوبية البسيطة إلى أوامر عسكرية حاسمة:
“ساع” (التمساح) كانت الإشارة لتحرك الدبابات.
“خور” (العُقاب) كانت الرمز لانطلاق الطائرات وصيادي الدبابات.
“أوشري” (اضرب) كانت الكلمة المزلزلة التي أذابت خط بارليف تحت أقدام المقاتلين.
صمت الأبطال وتكريم الدولة
ظل هذا الدور البطولي “سراً حربياً” دفيناً لأكثر من 40 عاماً، لم يبح به أحمد إدريس حتى لأقرب المقربين إليه، وفاءً بالقسم العسكري. ولم ينكشف الستار عن هذه الخدعة العبقرية إلا في عام 2014، عندما كرمه الرئيس عبد الفتاح السيسي بمنحه وسام النجمة العسكرية، ليرحل إدريس عن عالمنا في 2021 تاركاً خلفه درساً في كيف يحمي التراثُ الوطنَ.
خاتمة: لغة النصر
إن ذكرى العاشر من رمضان لا تجسد فقط براعة الجندي المصري في القتال، بل تجسد أيضاً ذكاءه الفطري وقدرته على استحضار تاريخه وحضارته (اللغة النوبية) لتكون درعاً وسيفاً. اليوم، ونحن نحتفل بهذا النصر، ننحي إجلالاً لروح البطل أحمد إدريس ورفاقه، الذين أثبتوا أن لغة النصر لا تُكتب بالرصاص فقط، بل بالانتماء والذكاء والوفاء.



