
قدّمت الكاتبة المغربية فاطمة الزهراء علوان معالجة إنسانية هادئة لمعاني الفقد والتكافل الاجتماعيقصة قصيرة للكاتبة فاطمة الزهراء علوان ترصد آلام الفقد وقيمة التكافل بالمجتمعات، عبر قصة قصيرة تدور أحداثها على هامش متابعة مباراة كروية، دون أن تجعل من النتيجة محورًا للسرد.
وتتمحور القصة حول شخصية «يامنة»، الأم التي اختارت الاستماع إلى المباراة عبر المذياع بدلًا من مشاهدتها، في إحالة رمزية إلى ثقل الصورة بعد رحيل الزوج، مقابل الاكتفاء بالصوت بوصفه مساحة أقل إيلامًا للذاكرة.
وفي موازاة ذلك، تتابع القصة مسارات أفراد الأسرة، حيث يغادر الابن الأكبر مرتديًا قميص والده الراحل، بينما يلجأ الطفل الأصغر إلى مدخراته البسيطة لتحقيق حلم مشاهدة المباراة في مقهى شعبي.
وتستخدم الكاتبة القميص بوصفه عنصرًا دلاليًا مركزيًا في النص، متنقلًا بين الخياطة، والارتداء، والتبرع، ليصبح حاملًا لمعنى الاستمرار ونقل التجربة، لا مجرد قطعة ملابس مرتبطة بالحدث الرياضي.
وتنتهي القصة بمشهد مكثف يعود فيه الابن الأكبر بعد انتهاء المباراة ليعلن منح قميصه لطفل آخر، في استعادة لصورته في الطفولة، بينما يبقى القميص الجديد الذي خاطته الأم معلقًا، في إشارة إلى أن بعض الأشياء تُصنع لتمنح الآخرين فرصة العبور.
وتنتمي القصة إلى تيار السرد الإنساني القصير، الذي يشتغل على التفاصيل اليومية، ويعيد تأويل الحدث الجماهيري بوصفه خلفية لكشف علاقات الذاكرة والفقد والتضامن داخل المجتمع.
وإليكم نص القصة القصيرة
——-
” حين سمعنا الكاف “
في المساء، جلست الأم يامنة قرب المذياع القديم ، لم تُشغّل التلفاز، ولم تحاول أن ترى المباراة ،
اكتفت بالصوت؛ فمنذ رحيل زوجها، صارت الصورة أثقل ، و المشاهد أتعب ، كانت تُمسك الإبرة وتخيط قميص المنتخب غرزةً بعد أخرى،
وكل غرزة تغرس فيها ذكرى زوجها مصطفى ، بدأ صوت المعلّق يتسلّل إلى الغرفة،الهتافات تعلو ثم تخفت،
ويامنة تُنصت فقط،تخشى إن نظرت أن ترى الغياب ماثلًا أمامها ، أن ترتكب خيانة في حق فقيدها .
خرج الابن الأكبر ياسين مسرعًا، مرتديًا القميص القديم الذي تركه له أبوه ، قال وهو يفتح الباب:
— سأشاهد المباراة مع أصدقائي وأعود.
لم تلتفت إليه.
الاكتفاء بالصوت علّمها أن بعض الوجوه لا تعود كما كانت.
تأخّر ياسين ، طال الوقت ، وتتابعت الدقائق، ويامنة تتابع المباراة عبر المذياع كأنها تنتظر خبرًا، لا نتيجة.
في الغرفة الصغيرة دخل طفلها الصغير ، جلس أمام خزانته الخشبية الصغيرة ، يتردد بين فتحها أو الاحتفاظ بها .
فتحها ببطء، أخرج حصّالته، وعدّ القطع النقدية واحدةً واحدة ، دريهمات ، بعضها لامع و بعضها الٱخر قديم ، لم تكن كثيرة، لكنها كانت كافية لتحقيق حلم المبارة ،
ضمّها في كفّه وخرج نحو المقهى،
يريد فقط أن يرى ما يسمعه الآخرون .
في المقهى، كان الضجيج يسبق الصورة، وكان عادل يجلس في الزاوية، بين الفينة و الأخرى يغطي ثقوب قميصه ، ثقوب بثمن السعادة حينها ،ويحدّق في الشاشة محاولا أن يحفظ أرقام اللاعبين .
في البيت، أنهت يامنة الخياطة ،
علّقت القميص الجديد على الكرسي،وجلست قبالته، تتأمل ،
المذياع يعلن الدقائق الأخيرة من المباراة.
انتهت مباراة المغرب ،
سكت المذياع قليلًا، ثم انبعثت موسيقى قصيرة.
في تلك اللحظة، طُرق الباب ،
نهضت يامنة ببطء ، لم تُطفئ المذياع ، فتحت الباب ،
كان ياسين واقفًا، متعب الملامح،
توقّف عند العتبة، ونظر إلى القميص المعلّق قبل أن ينظر إليها.
دخل وقال بصوت خافت:
— أعطيتُ قميصي لطفلٍ في المقهى…
رأيتُ نفسي فيه حين كنتُ صغيرًا.
نظرت يامنة إلى الكرسي.
القميص الجديد ما يزال هناك.
لم تمدّه إليه.
عادت إلى المذياع، رفعت الصوت قليلًا،ثم قالت بهدوء:
— بعض القمصان لا تُخاط لتُلبس،
بل لتواصل الطريق.



