كيف تلتهم فاتورة الحرب الحيز المالي للدول الأمامية والمجاورة
بقلم : د/ حسام راضي – مدرس الاقتصاد السياسي والتشريعات الضريبية
ثمة حقيقة قاسية في علم المالية العامة لا تتبدل بتغير الزمان أو الجغرافيا: الحرب لا تُموَّل من الخزائن الاحتياطية وحدها، بل تُموَّل أولاً من “الحيز المالي” (Fiscal Space) للدولة قبل أن تصل إلى جيوب المواطنين.
والحيز المالي، كما استقر عليه الفقه الاقتصادي في أدبيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، هو ذلك الفراغ الاستراتيجي بين الإيرادات العامة المتاحة والحد الأقصى المسموح به للدين العام قبل أن تدخل الدولة في دائرة العجز عن الوفاء بالتزاماتها.
في زمن الحرب، لا تُستنزف الخزانة فحسب، بل يضيق هذا الحيز من اتجاهين متعاكسين في آنٍ واحد: تصاعد حتمي في بنود الإنفاق، وتآكل متسارع في وعاء الإيرادات. هذه المعادلة الصفرية القاسية هي ما تجعل “فاتورة الحرب” تتجاوز كونها أزمة سيولة آنية لتتحول إلى اختلال هيكلي في بنيان الدولة المالي لعقد كامل أو يزيد.
ولكي ندرك عمق الكارثة التي تحل بالدول الأمامية والمجاورة لمسرح العمليات، ينبغي أن نميز بدقة بين “العجز المالي الدوري” (Cyclical Deficit) و”العجز الهيكلي” (Structural Deficit).
في الأحوال الطبيعية، قد تعاني الدولة من عجز موازنة مؤقت نتيجة تباطؤ دورة اقتصادية عابرة، وهذا عجز يمكن احتواؤه بتحفيز مالي مضاد. أما في زمن الحرب، فإن ما يحدث هو انزياح عنيف ودائم لخط الأساس المالي للدولة. إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الدول الهشة والمتاخمة للصراعات تفقد ما بين 2 إلى 3 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا لمجرد أن علاوة المخاطر الجيوسياسية تجعل تكلفة التأمين على الدين السيادي ترتفع إلى مستويات تحرمها من دخول أسواق المال العالمية .
وهذا الحرمان هو التعريف العملي الدقيق لـ “التهام الحيز المالي”: أن تصبح الدولة غير قادرة على الاقتراض أصلًا، أو تضطر للاقتراض بفائدة عقابية تلتهم أي عائد تنموي محتمل.
خذ مثالًا عمليًا من واقع الدول التي مزقتها الحروب مؤخرًا: عندما تفقد الدولة السيطرة على جزء من منافذها الحدودية أو موانئها الاستراتيجية، فإنها لا تخسر فقط رسوم العبور والجمارك (وهي إيراد سيادي مباشر)، بل تخسر القدرة على إصدار أي خطاب ضمان سيادي للمستثمرين.
البنك المركزي في هذه الحالة يدخل في معركة خاسرة على جبهتين: الأولى هي الدفاع عن سعر الصرف في مواجهة تدفقات رؤوس الأموال الساخنة إلى الخارج – وهي ظاهرة موثقة أكاديميًا باسم “الهروب إلى الجودة” (Flight to Quality) حيث تنتقل رؤوس الأموال تلقائيًا من الاقتصادات القريبة من الصراع إلى الاقتصادات البعيدة والآمنة .
أما الجبهة الثانية فهي محاولة توفير سيولة نقدية للقطاع المصرفي الذي يعاني من تعثر القروض بسبب تدمير المصانع أو تعطل سلاسل التوريد. وكلا الجبهتين تستنزفان الاحتياطي الأجنبي، وهو خط الدفاع الأخير عن “الحيز المالي”.
إذن لماذا تدفع الدول المجاورة الثمن من احتياطياتها قبل أن ينفجر الصاروخ على أرضها؟
من الأخطاء الشائعة في التحليل الاقتصادي السطحي الاعتقاد بأن الدولة التي لم تشارك في الحرب ولم تُضرب بنيتها التحتية بيد العدوان تنجو من تبعاتها المالية. الواقع أن “نظرية عدوى الجوار” (Contagion Effect) تضرب بقوة أشد في الدول المجاورة منها في الدول البعيدة.
والسبب لا يتعلق فقط باللاجئين أو تهريب السلع، بل بالارتدادات المالية المعقدة. فوفقًا لورقة بحثية محكمة صادرة عن صندوق النقد الدولي حول الآثار غير المباشرة للصراعات في أفريقيا جنوب الصحراء، فإن صدمة الصراع في دولة مجاورة تؤدي إلى زيادة عجز الموازنة في “الدولة الجارة” بنسبة تتراوح بين 1.2% و2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة الأولى للصراع، وذلك فقط بسبب ارتفاع تكلفة خدمة الدين الخارجي وانخفاض عوائد الجمارك والضرائب على التجارة البينية .
الآلية هنا تعمل من خلال قناتين رئيسيتين. الأولى هي قناة “التجارة البينية المدمرة” : فحين تتعطل المنافذ البرية أو البحرية بسبب الحرب، تفقد الدولة المجاورة شريكها التجاري الطبيعي. ليس هذا فحسب، بل إن ارتفاع تكلفة التأمين على البضائع (War Risk Insurance) يجعل شاحنة المساعدات أو الصادرات المتجهة من الدولة المجاورة إلى أسواق أوروبا أو آسيا تتحمل تكلفة إضافية تدفع المستوردين إلى البحث عن بدائل.
وتكون النتيجة المباشرة على الموازنة العامة للدولة المجاورة هي انخفاض متحصلات ضريبة القيمة المضافة وضريبة أرباح الشركات التجارية وشركات النقل والخدمات اللوجستية. وهنا تحدث المفارقة: الحكومة تفقد إيراداتها الضريبية بالتوازي مع اضطرارها لزيادة الإنفاق على بند الدعم – خصوصًا دعم الطاقة والغذاء – لاحتواء الغضب الشعبي من التضخم المستورد.
هذا المزيج هو ما يجعل “الحيز المالي” ينكمش بمعدل أسرع من أي سيناريو كساد عادي.
القناة الثانية والأكثر عمقًا هي قناة “إعادة تسعير الأصول السيادية”. عندما ترتفع حدة التوغل العسكري، تتجه وكالات التصنيف الائتماني (موديز وفيتش وستاندرد آند بورز) إلى وضع الدول المجاورة تحت “نظرة مستقبلية سلبية” (Negative Outlook) إن لم تخفض تصنيفها مباشرة.
هذا التخفيض أو التهديد به يرفع تلقائيًا العائد المطلوب على سندات الخزانة التي تصدرها هذه الدولة. فإذا كانت دولة كالأردن أو مصر أو لبنان تخطط لطرح سندات دولية بقيمة ملياري دولار لسد عجز الموازنة، فإن ارتفاع العائد بمقدار 200 نقطة أساس فقط (2%) يعني أن فاتورة خدمة الدين ستزيد بقيمة 40 مليون دولار سنويًا طوال أجل السند.
هذه المبالغ تُقتطع مباشرة من ميزانية الصحة والتعليم لتمويل قسط المخاطر الإضافي لصالح صناديق الاستثمار في نيويورك ولندن، وهذا هو المعنى الحرفي لـ “التهام” الحيز المالي: تحويل الموارد النادرة من الاستثمار في رأس المال البشري إلى إرضاء دائنين قلقين من هدير المدافع على بعد مئات الأميال.
وحين تواجه الحكومة صدمة خارجية، يكون لديها مساران نظريان: إما زيادة الإيرادات (عبر الضرائب أو الرسوم) وإما خفض الإنفاق.
لكن في حالة الحرب، يصبح كلا الخيارين مستحيلًا سياسيًا واجتماعيًا. ولنأخذ حالة “فاتورة الدعم” كمثال تطبيقي: تشير تقارير الأمم المتحدة (الإسكوا) إلى أن إغلاق مضيق هرمز أو تعطل الملاحة في البحر الأحمر يرفع فاتورة استيراد الطاقة والغذاء للدول العربية المجاورة بنسبة قد تصل إلى 20-30% من إجمالي فاتورة الواردات .
الحكومة هنا تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن ترفع الدعم عن المحروقات أو الخبز لتوفير السيولة للموازنة، مما يهدد بموجة احتجاجات قد تزعزع استقرار الجبهة الداخلية في وقت تحتاج فيه الدولة لكل ذرة تماسك؛ وإما أن تستمر في الدعم وتلجأ إلى “التمويل بالعجز” (Deficit Financing) عبر الاقتراض من البنك المركزي.
واللجوء إلى البنك المركزي، أو ما يعرف فنيًا بـ “تسييل العجز” (Monetization of Deficit)، هو تحديدًا الفخ الذي يجعل الأزمة المؤقتة تتحول إلى مرض مزمن. حين تقوم الخزانة العامة بإصدار سندات يشتريها البنك المركزي بطبع نقود جديدة، فإن الكتلة النقدية تتضخم دون أن يقابلها نمو في السلع والخدمات – خصوصًا أن الحرب عطلت الإنتاج.
النتيجة الحتمية هي انزلاق الاقتصاد إلى دوامة الركود التضخمي (Stagflation): أسعار ترتفع بقوة، ونمو اقتصادي يتباطأ أو ينكمش، وعملة محلية تفقد قيمتها.
وفي هذه البيئة، حتى لو حاولت الحكومة زيادة الضرائب، فإن الحصيلة الضريبية الحقيقية (بعد خصم التضخم) تنخفض، لأن القوة الشرائية للعملة تآكلت، ولأن قطاعًا كبيرًا من الشركات تحول إلى الاقتصاد غير الرسمي هربًا من تكاليف الامتثال.
هذه الظاهرة، المعروفة في الأدبيات المالية باسم “تأثير تانزي” (Tanzi Effect) – نسبة لخبير صندوق النقد فيتو تانزي – تعني أن قيمة الإيرادات الضريبية تتآكل في الفترة ما بين استحقاقها وتحصيلها بسبب التضخم المتسارع، فتجد وزارة المالية أن كل جنيه أو دينار يتم تحصيله قيمته الحقيقية أقل مما كان متوقعًا عند وضع الموازنة. وهكذا يضيق الحيز المالي من جهة الإيرادات بقدر ما يتسع من جهة الإنفاق.
خلاصة المشهد: أن الحيز المالي كضحية أولى للحرب
إن التعبير المجازي “التهام فاتورة الحرب” ليس تعبيرًا بلاغيًا، بل هو وصف ديناميكي دقيق لعملية مالية متسلسلة تبدأ من رفع سعر تأمين ناقلة النفط في مضيق هرمز، لتمر عبر رفع سعر الفائدة على سندات الخزانة في دولة تبعد ألف كيلومتر عن الجبهة، وتنتهي بعجز الحكومة عن دفع رواتب موظفيها أو استيراد دواء لمرضى السرطان.
الدول الأمامية تدفع ثمن الدمار المباشر لبنيتها التحتية وقاعدتها الإنتاجية، أما الدول المجاورة فتدفع الثمن من خلال “التآكل الصامت” لحيزها المالي: احتياطيات تنضب، ديون تستحق بعوائد أعلى، وإيرادات ضريبية تتلاشى في غبار المعارك البعيدة.
في النهاية، تبقى المعادلة صارمة لا ترحم: الحيز المالي في زمن الحرب ليس مجرد رقم في جدول الموازنة، بل هو ترجمة كمية لمعنى السيادة الوطنية.
وحين تضيق مساحته، تضيق معها خيارات الدولة في المناورة، وتصبح رهينة للدائنين والمقرضين، مما يفتح الباب ليس فقط لأزمة اقتصادية، بل لأزمة قرار واستقلال وطني.
لذلك فإن إدراك حقيقة أن “الفاتورة تُدفع حيزًا ماليًا قبل أن تُدفع نقودًا” هو المدخل الوحيد لفهم لماذا تستنزف الحروب الأمم حتى تلك التي تظن نفسها على الحياد.




