مريم بدران تكتب: الإنسان كآلية تدمير بطيئة

الإنسان الذي تعلم أن الألم هو شكل الحياة لم يكن الانهيار يوما حدثا واضحا، بل كان إعادة تشكيل هادئة للوعي حتى يصبح الألم مألوفا بما يكفي ليُسمى حياة. لا أحد يُجبر الإنسان على الاستسلام، بل يُعاد تعريف العالم حوله بطريقة تجعل الاستسلام خيارا منطقيا، بل طبيعيا. ومع الوقت لا يعود السؤال لماذا نتألم، بل لماذا نفترض أن هناك شكلا آخر للحياة أصلا.
لا يُكسر الإنسان مرة واحدة، بل يُعاد ضبط إدراكه تدريجيا حتى يفقد القدرة على التمييز بين ما يُحتمل وما يجب أن يُرفض. في هذا السياق تُختزل الفكرة الأولى للحرية إلى مجرد إمكانية نظرية، بينما يُعاد بناء الواقع على قاعدة واحدة: الاستمرار مهما كان الثمن الداخلي.
وحين يتكرر هذا النوع من التجربة داخل بيئة لا تتغير، لا يعود العجز لحظة عابرة، بل يتحول إلى بنية في الإدراك، لأن الإنسان لا يتشكل فقط بما يحدث له، بل بطريقة تكرار ما يحدث داخل المكان نفسه، حتى يصبح المكان جزءا من الوعي لا مجرد فضاء خارجي.
في علم السلوك، تُشير تجارب “العجز المتعلم” إلى نمط تم رصده في أبحاث على الحيوانات، حيث وُضعت فئران في بيئات تتعرض فيها لصدمات كهربائية عند كل محاولة حركة أو بحث عن مخرج، ومع تكرار التجربة توقفت الحيوانات عن المحاولة حتى بعد إزالة مصدر الصدمة، ليس لأنها فقدت القدرة، بل لأنها فقدت العلاقة بين الفعل والنتيجة. هذا النموذج لا يُقرأ كحدث معزول، بل كآلية تُظهر كيف يمكن للخبرة المتكررة أن تعيد تشكيل الاستجابة نفسها. وهو ما يتقاطع مع الإنسان حين يتعلم عبر الزمن أن الفعل لا يغير شيئا، وأن الصمت أكثر أمانا من المحاولة، وأن النجاة قد تعني تقليص الوجود بدل توسيعه.
وفي هذا السياق، يتحول المكان إلى جزء من إنتاج العجز.
المدن الحديثة لا تبني حياة، بل تبني أنظمة استنزاف بطيء. الإنسان فيها لا يعيش يومه ككل متكامل، بل كأجزاء منفصلة من مهام متتابعة لا تتصل ببعضها. يستيقظ ليصل متأخرا إلى مكان لا يشبهه، ويقضي ساعات في أداء دور لا يعكسه، ثم يعود منهكا إلى نفسه دون أن يلتقي بها فعليا. ومع هذا التكرار لا يصبح السؤال كيف أعيش، بل كيف أستمر، ومع الوقت يتحول الاستمرار إلى شكل من البقاء المنفصل عن المعنى، حيث لا يعود الغياب هو نقيض الحياة، بل يصبح جزءا من شكلها اليومي.
هذا الانكماش لا يبقى داخليا، بل يتحول إلى طريقة لرؤية العالم. الإنسان يُختزل في تفسير واحد: الفقير كعجز أو قدر، والغني كاستحقاق أو نتيجة. وكأن التعقيد البشري يمكن تلخيصه في سطر واحد. بهذا الشكل لا يعود الإنسان كائنا حيا، بل قصة جاهزة تُستخدم للفهم السريع بدل الفهم الحقيقي.
لكن الاختزال لا يتوقف عند البشر. الكوكب نفسه دخل في علاقة غير متوازنة مع كائن واحد قرر أن يكون مركز كل شيء. الإنسان لم يعد مجرد ساكن في الأرض، بل أصبح عامل ضغط دائم عليها، يعيد صياغتها نحو شكل أقل تنوعا وأكثر هشاشة، ويستبدل توازنها الحيوي بمنطق تدخل مستمر ينتج خرابا هادئا لا يُرى إلا متأخرا. الغابات تُزال، الكائنات تُدفع خارج موائلها، الأنظمة البيئية تُختزل إلى موارد، والحيوانات تُعامل كأرقام في معادلة إنتاج لا ترى في الحياة قيمة إلا إذا كانت قابلة للاستخدام.
هنا يصبح التناقض حادا بجهد: كائن يملك وعيا متقدما، لكنه يستخدم هذا الوعي لإعادة تشكيل العالم بما يقلل من فرص الحياة فيه، ليس فقط حياته هو، بل حياة كل ما يشاركه الكوكب. ومع ذلك لا يحدث هذا كله عبر قرار واحد، بل عبر تراكم هادئ من التعود: التعود على الألم، على التدهور، على الاختزال، وعلى الفقدان البطيء لمعنى أن تكون حيا فعلا.
في النهاية لا تبدأ المأساة حين يُهزم الإنسان، بل حين يتوقف عن ملاحظة أن ما يسميه حياة لم يعد يتضمن أي بديل. وحين يصل إلى هذه النقطة لا يعود الألم مجرد تجربة، بل يصبح معيارا للرؤية، ويُعاد تشكيل الوعي نفسه بحيث يبدو الخروج منه مستحيلا، لا لأنه غير ممكن، بل لأنه لم يعد يُتخيل أصلا، وكأن الإنسان لا يفقد حياته، بل يفقد القدرة على تخيل حياة أخرى.
mmemaria07@gmail.com




