الرئيسيةمقالات الرأي

مريم بدران تكتب : ” العبودية الناعمة “

ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله في سوء حظ أو فشل إداري. نحن أمام منظومة عالمية متشابكة، سياسات عابرة للحدود، ودول تتقاسم الأدوار لا القيم ، لعبة قذرة تُدار بهدوء، حيث لا تحتاج المؤامرة إلى اجتماع سري بقدر ما تحتاج إلى مصالح مشتركة وصمت منظم.

التلاعب لم يعد عسكريًا فقط، بل بيولوجيًا ونفسيًا وزمنيًا ، تجارة الأعضاء ليست أسطورة، بل سوق سوداء تزدهر كلما انهارت المنظومات الصحية وانتشرت الحروب والفقر. 

تجارة الأدوية لا تهدف دائمًا إلى الشفاء، بل إلى إدامة المرض، لخلق زبون دائم لا إنسان معافى. 

الطعام نفسه لم يعد غذاءً، بل منتجًا معدلًا يضعف الجسد ببطء ويخدر العقل على المدى الطويل.

يتم التلاعب بالصحة عبر نمط حياة مفروض، وبالعقل عبر إعلام موجه، وبالوقت عبر الذكاء الاصطناعي استنزاف يومي يجعل الإنسان مشغولا دائمًا وفارغًا من الداخل. لا وقت للتفكير، لا مساحة للسؤال. كل شيء سريع، استهلاكي، مؤقت، كأن العمر نفسه تطبيق قابل للتحديث أو الحذف ، غسيل الدماغ لم يعد قمعيًا، بل ناعمًا .

النساء يُستهدفن بصورة ممنهجة عبر صناعة الجمال، حيث يتحول المكياج من اختيار إلى إلزام نفسي، ومن تعبير فردي إلى عبودية للمعايير ، الجسد يصبح مشروعًا دائمًا غير مكتمل، والرضا مستحيل، والاستهلاك لا يتوقف.

وفي قلب كل هذا، يبرز الهاتف كإله جديد نعبده دون وعي، نمنحه وقتنا، انتباهنا، علاقاتنا، وذاكرتنا. نبحث فيه عن المعنى، عن القبول، عن الحقيقة، بينما هو أداة مراقبة وتوجيه قبل أن يكون وسيلة تواصل. الخوارزميات لا تعرض ما نحتاج معرفته، بل ما يبقينا مطيعين، منغمسين، ومستنزفين.

هل هذا كله صدفة؟ صعب التصديق. ما يحدث هو تلاقي مصالح دول وشركات ونخب، حيث يبقى الإنسان الحلقة الأضعف، مادة خامًا في معادلة الربح والسيطرة. المؤامرة الحقيقية ليست في وجود مخطط سري واحد، بل في قبولنا الجماعي بلعب دور الضحية الصامتة . الأخطر ليس أن يتم التلاعب بنا، بل أن نتعود عليه أن نفقد الغضب، أن نسخر من الوعي، أن نعتبر السؤال نوعًا من الجنون. عندها فقط تنجح كل السياسات، وتسقط كل المجتمعات دون طلقة واحدة.

هل لاحظت كيف لم يعد الصمت يحتاج إلى قمع، ولا الطاعة تحتاج إلى سلاح؟ كيف تحول التشتيت إلى نظام، والسطحية إلى سياسة، والسرعة إلى أداة محو للعقل؟ لماذا تُضغط أكثر القضايا المصيرية في ثوانٍ عابرة، بينما تُفرد الساعات لتفاهات تفرغ الوعي من معناه؟ ومن أقنعنا أن الحرية تعني الاختيار بين منتجات، وأن الرأي يُقاس بعدد الإعجابات، وأن الحقيقة قابلة للاختصار؟

لسنا مخدوعين لأننا نجهل، بل لأننا نتلقى أكثر مما نفكر . الوعي لم يُمنع… تم إغراقه ، والسؤال لم يُقمع… تم السخرية منه. أخطر ما حدث ليس التلاعب بالعقول، بل إعادة برمجتها لتعتبر القلق طبيعيًا، والاغتراب أسلوب حياة، والانفصال عن الذات ثمنًا للتكيف.

تخيل جيلًا لا يعرف الصمت الداخلي، جيلًا تُقاس قيمته بالبيانات التي يتركها خلفه، وتوجه رغباته بخوارزميات لا يراها، ويُقنع بأن هذا كله “تقدم”. من يربي من نحن أبناء التكنولوجيا، أم هي التي تعيد تشكيلنا على مقاس السوق؟

السؤال الحقيقي ليس: هل يتم التحكم بنا؟ بل: متى توقفنا عن المقاومة؟ ومتى قررنا أن اللامبالاة أأمن من الوعي؟ لأن المجتمعات لا تسقط حين تُهزم… بل حين تتوقف عن التساؤل. 

مريم بدران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى