الرئيسيةمقالات الرأي

مريم بدران تكتب : عصر الشاشة القاسية .. كيف تتحكم التكنولوجيا في عقول الشباب؟

في عصر تتسارع فيه وتيرة التكنولوجيا بشكل لم يسبق له مثيل، يقف الشباب المصري على مفترق طرق بين التقليد والحداثة، بين الأصالة الرقمية والإنغماس في العوالم الإفتراضية. الهواتف الذكية والتطبيقات لم تعد أدوات مجردة للتسلية أو التراسل، بل أصبحت هيكلًا أساسيًا يحدد كيف يفكر الشباب، كيف يدرس، كيف يعمل، وكيف يتواصل.
من منظور فلسفي، يمكننا أن نرى في التكنولوجيا انعكاسا للحتمية الإجتماعية الحديثة، حيث تتحول الوسائط الرقمية إلى ما يشبه “أطر وجودية” تفرض على الشباب أن يعيدوا تشكيل هويتهم اليومية وفقًا لمنطق الأجهزة والبرمجيات. الهواتف، على سبيل المثال، لم تعد مجرد أدوات، بل صارت امتدادا للذاكرة، للفكر، ولشبكات العلاقات. في المقابل، هذا الإمتداد الرقمي يطرح سؤالا فلسفيًا جوهريا : هل نحن من نسيطر على التكنولوجيا، أم أنها بدأت تشكلنا؟

في مجال الدراسة، أصبح التعليم يعتمد على التطبيقات والذكاء الإصطناعي لتوفير المعرفة بسرعة، لكنها في الوقت ذاته تقلل من عمق الفهم النقدي. أصبح المتعلم غالبًا مستهلكًا للمعلومات أكثر من كونه مفكرًا فيها، وهو تحول يطرح أزمة في تكوين جيل قادر على التفكير المستقل والناقد.

الذكاء الإصطناعي، بدل أن يكون أداة تمكين، صار أداة تخدر العقول، تجعل المتعلمين آلات لحفظ المعلومات دون وعي حقيقي أو تحليل نقدي، وكأن المستقبل يُبنى على السطحية بدل الفهم الحقيقي المستقل والناقد ، أما في مجال العمل، فالتكنولوجيا فتحت آفاقا واسعة أمام فرص العمل عن بعد وريادة الأعمال الرقمية، لكنها في الوقت نفسه خلقت تحديات جديدة، مثل المنافسة العالمية الشرسة، وضغط الوقت المستمر، والإرهاق النفسي الناتج عن التواجد الدائم على المنصات الرقمية.

على مستوى التواصل الإجتماعي، أصبحت العلاقات أكثر اتصالًا، لكنها أقل عمقًا.
التطبيقات تخلق شبكة هائلة من الإتصالات السريعة، لكنها في كثير من الأحيان تحل محل الحوار الواقعي والتفاعل البشري المعمق.

يمكن القول إن التكنولوجيا في مصر، كما في كل مكان، تقدم فرصا هائلة، لكنها في الوقت ذاته تفرض قيودا نفسية وفكرية على الشباب، تجعلهم أسرى لشاشات، لإشعارات، ولمؤشرات “الإعجاب” و”المتابعة”.

من منظور نقدي، لا يمكن فصل السياسة عن هذا التأثير. الدولة، المؤسسات التعليمية، وحتى الأسرة كلها مدعوة اليوم لإعادة التفكير بحدة في كيفية دمج التكنولوجيا في حياتها، بحيث تخدم الإنسان ولا تتحكم به، ولا تغسل دماغه لتجعله أسيرا لها.

الشاب المصري، أو العربي، أو أي شاب في العالم العربي، لا يحتاج إلى أدوات للإستجابة الرقمية فقط، بل يحتاج إلى أدوات للتفكير الحر والمستقل، ليكون سيدا لعقله وحياته، لا عبدا لشاشته.

التكنولوجيا حين تستخدم بشكل واع، يمكن أن تكون أداة للتمكين والإبداع، أما حين تصبح مجرد وسيلة للسيطرة على الإنتباه والوقت، فإنها تتحول إلى آلية لقمع الحرية الفكرية والإجتماعية.

في النهاية، ما يفرضه الواقع الرقمي على الشباب المصري هو تحد فلسفي وجودي: كيف يمكن أن نحافظ على إنسانيتنا في عصر يتطلب منا أن نكون متصلين باستمرار، وأن نستهلك المعلومات بسرعة، وأن نعمل ونتواصل دون توقف؟

الحل لا يكمن في رفض التكنولوجيا، بل في تبني موقف نقدي واع تجاهها، موقف يوازن بين الحرية الرقمية والحرية الحقيقية، بين الفاعلية الرقمية والعمق الإنساني.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى