نورا علي المرعبي تكتب : انتهى زمن الازدواجية: إما دولة واحدة… أو لا دولة

لبنان .. بقلم: نورا علي المرعبي
لبنان لم يعد يحتمل المجاملات السياسية، ولا العبارات الرمادية، ولا إدارة الأزمات بمنطق تأجيل الانفجار. نحن أمام حقيقة صارخة: لا يمكن أن تقوم دولة وفي داخلها أكثر من مرجعية قوة، وأكثر من قرار سيادي، وأكثر من سقف فعلي للسلطة.
هذا ليس توصيفًا انفعاليًا، بل خلاصة تجربة مريرة دفع اللبنانيون ثمنها من اقتصادهم، وأمنهم، واستقرارهم، وثقة أبنائهم بمستقبلهم.
جوهر المشكلة اليوم ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، بل خلل بنيوي في مفهوم الدولة نفسه. حين لا يكون قرار الحرب والسلم حصرًا بيد المؤسسات الدستورية، يصبح الكيان كله في حالة هشاشة دائمة. وحين تتعدد مصادر القوة، تتراجع المواطنية، لأن المساواة أمام القانون تصبح مشروطة بميزان القوى لا بنص الدستور.
أنا أتحدث هنا عن المواطنية الكاملة — لا المواطنة الشكلية.
المواطنية الكاملة تعني أن يخضع الجميع للقانون نفسه، وأن تُحتكر شرعية استخدام القوة داخل مؤسسات الدولة وحدها، وأن يكون الانتماء النهائي للوطن لا لأي معادلة خارج حدوده. تعني أن لا يعيش المواطن قلقًا من قرار لا يمر عبر مؤسساته، ولا يُحاسَب عبر آلياته الشرعية.
من دون ذلك، سنبقى ندير توازنًا هشًا بدل أن نبني دولة مستقرة.
القول بحصر السلاح بيد الدولة ليس استهدافًا لأحد، بل حماية للجميع. لأن الدولة عندما تضعف، لا يربح أحد فعليًا. وعندما تتوزع القوة خارج إطارها، تتآكل السيادة تدريجيًا، ويتحول الاقتصاد إلى رهينة، ويتحول الاستثمار إلى مغامرة، ويتحول الشباب إلى مهاجرين.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى تسوية جديدة تؤجل المشكلة. يحتاج إلى قرار شجاع يعيد تثبيت قاعدة بسيطة: لا شرعية لأي قوة خارج إطار الدولة. لا سيادة بلا مرجعية واحدة. لا استقرار بلا وضوح في القرار.
الانتقال إلى هذا النموذج يتطلب حوارًا وطنيًا جديًا، ورؤية دفاعية واضحة، وخطة تدريجية مسؤولة تدمج كل عناصر القوة ضمن استراتيجية وطنية خاضعة بالكامل للشرعية الدستورية. لكن البداية تكون بالاعتراف: الازدواجية ليست حلًا دائمًا، بل خطرًا مؤجلًا.
المواطن اللبناني لم يعد يريد بطولات خطابية. يريد دولة تحميه، لا أن تطلب منه دائمًا تحمّل الكلفة. يريد عقدًا اجتماعيًا واضحًا، لا توازنات ظرفية. يريد مستقبلًا يمكن التخطيط له، لا مفاجآت تُفرض عليه.
انتهى زمن إدارة الهشاشة.
حان زمن تثبيت الدولة.
إما أن نختار بوضوح مشروع الدولة الواحدة ذات المرجعية الواحدة،
أو نقبل بأن نبقى في دائرة الشلل والتآكل البطيء.
التاريخ لا يحترم أنصاف القرارات.
والأوطان لا تُبنى بازدواجية السلطة.
الدولة ليست خيارًا سياسيًا.
الدولة شرط البقاء.




